خاص موقع Jnews Lebanon
يستفيق لبنان هذا الصباح على مشهد شديد التعقيد، يتأرجح بين جمود عملي في الداخل بانتظار “الحقنتين المسكنتين” في روما وواشنطن، وبين غليان إقليمي غير مسبوق يكاد يطيح بكل التفاهمات الهشة. من مضيق هرمز الذي تحول إلى ساحة مواجهة أميركية-إيرانية مباشرة، إلى دمشق المهتزة على وقع التفجيرات، وصولاً إلى جبهة الجنوب؛ يبدو أن “اتفاق الإطار” اللبناني ولد في توقيت مأزوم، ليصبح أسير التجاذبات الإقليمية والمزايدات المحلية.
اقرأ أيضاً في الحصاد- كواليس “قمة تموز” بين عون وترامب.. شروط إسرائيلية قاسية وآلية ثلاثية تديرها عوكر!
جبهة المعارضة الداخلية تتسع: جنبلاط وباسيل في خندق واحد؟
ميدانياً وسياسياً، خطف زعيم المختارة وليد جنبلاط الأضواء من عواصم القرار. فمن دار الطائفة الدرزية، سدد جنبلاط “صفعة قوية” لاتفاق الإطار، واصفاً إياه بالاتفاق “الأحادي” الذي أملته إسرائيل على فريق لبناني “محدود الخبرة في القانون والدبلوماسية”، ومنتقداً غياب أي بند واضح للانسحاب الإسرائيلي.
هذا الموقف الجنبلاطي تقاطع بشكل لافت مع هجوم شنه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، الذي اعتبر بدوره أن السلطة العاجزة تكبل الجيش وتتخلى عن القرار 1701 واتفاق الهدنة.
مصادر خاصة لـ Jnews Lebanon: “موقف جنبلاط لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بالتنسيق مع قوى سياسية تخشى من أن يُستغل اتفاق الإطار لتكريس سلطة أمر واقع جديدة في بعبدا، وحصر القرار الدبلوماسي بفريق واحد على حساب التوازنات التاريخية المعمدة باتفاق الطائف”.
اقرأ أيضاً خاص- الصندوق الأسود لـ “جدول المحروقات”.. كيف قفز سعر البنزين 23.4%؟
في المقابل، ردت أوساط بعبدا عبر مقدمات الإعلام المؤيد للعهد بهجوم لاذع على جنبلاط، مذكرة إياه بـ “خبرته التي أدت بلبنان إلى مآسيه الحالية”، ومؤكدة أن رئيس الجمهورية جوزاف عون مستمر في خيار التفاوض المباشر رافضاً “رهن القرار اللبناني لأي طرف خارجي”، في إشارة واضحة إلى حزب الله وإيران.
بين روما والبيت الأبيض: الرهان الأخير للعهد وتخوف من “الغدر”
وسط هذا التراشق، يعوّل لبنان الرسمي على محطتين أساسيتين هذا الشهر، إلا أن كواليس القرار تكشف عن نقاش ساخن يدور خلف الستار حول مكان وكيفية إدارة هذه المفاوضات:
- محادثات روما (14 و15 الجاري): جولة مفاوضات جديدة برعاية إيطالية لبحث تنفيذ “المناطق النموذجية/التجريبية”، وسط تشكيك واسع في النوايا الإسرائيلية التي تتهرب من الالتزام ميدانياً، وتواصل خروقاتها التي رفعت حصيلة الضحايا اللبنانيين إلى 4320 شهيداً و12203 جرحى.
- قمة واشنطن (21 تموز): زيارة الرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي يطمح لبنان من خلالها للتأكد من المظلة الأميركية وجدولة الانسحاب الإسرائيلي.
معلومات خاصة لـ Jnews Lebanon: “تكشف مصادر دبلوماسية مطلعة لموقعنا عن توجس لبناني رسمي حذر من جولة محادثات روما المرتقبة؛ إذ تتخوف دوائر القرار في بيروت من محاولة إسرائيلية لـ ‘الاستفراد’ بالجانب اللبناني بعيداً عن المظلة الأميركية المباشرة، وتمرير شروط ميدانية مجحفة تحت غطاء ‘المناطق النموذجية’. وبناءً على هذا التخوف من أي ‘غدر أو مناورة إسرائيلية’ في إيطاليا، يكثف لبنان اتصالاته عبر قنوات دبلوماسية لترحيل الملفات الأساسية وردّ ثقل المحادثات الحقيقية إلى العاصمة واشنطن، لضمان وجود شريك ورائد أميركي يملك أدوات الضغط الفعلي لإلزام تل أبيب بالاتفاق”.
اقرأ أيضاً خاص- اللائحة الأميركية “السوداء” التي هزت اليرزة..
وفي سياق متصل، علم موقعنا أن الرئيس عون رسم سقفاً عالياً لزيارته واشنطن عبر إبلاغ المعنيين برفضه المطلق لعقد أي لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتؤكد مصادرنا في العاصمة الأميركية أن هناك ترتيبات للإفراج عن ‘إعلان مهم’ يحظى بمظلة عربية لدعم إعادة الإعمار، بالتزامن مع وصول رئيس اللجنة الأمنية الثلاثية، الجنرال جوزيف كليرفيلد، للإقامة في لبنان مع عائلته للإشراف على التنفيذ.
ولكن، تخوف دبلوماسي برز عبر صالونات بيروت من أن تكون هذه المرحلة مجرد “هدنة ما قبل العاصفة”، حيث تشير التقديرات إلى أن فوز نتنياهو في الانتخابات المقبلة سيعيد فتح جبهة الجنوب على مصراعيها، مما يجعل الحرب الطاحنة خياراً مؤجلاً لا ملغى.
الإقليم مشتعل: هرمز يشتعل وترامب يأمر بالضرب من أنقرة
وليس بعيداً عن التعثر اللبناني، دخلت المنطقة مرحلة الصدام المباشر. ففي مضيق هرمز، تعرضت ناقلات نفط وغاز (من بينها ناقلة قطرية وأخرى سعودية) لهجمات بمسيرات، اتهمت فيها الدوحة وواشنطن الحرس الثوري الإيراني، مما أطاح بـ “هدنة هرمز”.
الرد الأميركي جاء سريعاً وبأمر مباشر من الرئيس دونالد ترامب أثناء تواجده في أنقرة لحضور قمة الناتو؛ حيث شنت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) غارات عنيفة استهدفت أكثر من 60 زورقاً تابعاً للحرس الثوري، و80 موقعاً عسكرياً وشبكات رادار ودفاع جوي، تركزت الانفجارات فيها في جزيرتي قشم وخرج الإيرانيتين.
في المقابل، أعلنت طهران عبر “مقر خاتم الأنبياء” وكبير مفاوضيها محمد باقر قاليباف أن “عصر الابتزاز انتهى”، متهمة واشنطن بانتهاك مذكرات التفاهم، ومطلقة صواريخ ومسيرات باتجاه أهداف بحرية أميركية، وسط توعد بـ “رد ساحق”.
اقرأ أيضاً خاص- أرباح على جثث الودائع: كيف تُعيد المصارف اللبنانية رسملة نفسها من “الباب الخلفي”؟
وفي دمشق، لم تمنع التفجيرات الأمنية التي هزت محيط إقامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من إكمال محادثاته السياسية والاقتصادية مع الرئيس السوري أحمد الشرع، والتي توجت بإعلان تبادل السفراء، في محاولة فرنسية للتعويض بالاقتصاد عن الإقصاء السياسي في المنطقة.
بين “تنظير” الداخل وتخبط اتفاق الإطار، وبين قعقعة السلاح الأميركي-الإيراني في الخليج والتغول الإسرائيلي في الجنوب، يبدو لبنان كمن يسير بين الألغام. فهل تنقذ مظلة البيت الأبيض زيارة الرئيس عون وتلبي بيروت رغبتها في حصر التفاوض بواشنطن، أم أن حريق هرمز وغدر تل أبيب سيلتهمان “صيغة الإطار” قبل أن تصل إلى روما؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.

