تتجه الأنظار إلى إسرائيل مع اقتراب موعد تكليف رئيس جديد بتشكيل الحكومة، بعدما حصل رئيس حزب “يشار” غادي آيزنكوت على توصيات 67 نائباً من أصل 120 في الكنيست، مقابل 46 نائباً أوصوا بتكليف بنيامين نتنياهو. وبينما يُنتظر أن يعلن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ قراره غداً الأحد، يبرز سؤال أساسي بالنسبة إلى لبنان: هل يؤدي وصول آيزنكوت إلى السلطة إلى تغيير في السياسة الإسرائيلية تجاه الجنوب، أم أن تبديل الوجوه لن يبدّل قواعد المواجهة؟
وبحسب ما أعلنته الرئاسة الإسرائيلية عقب انتهاء المشاورات البرلمانية، فإن حصول آيزنكوت على العدد الأكبر من التوصيات لا يعني ضمان تشكيل الحكومة، في ظل خلافات بين الأحزاب التي دعمته وتعقيدات تحول دون تأمين ائتلاف متماسك. وقد أقر هرتسوغ بأن الصورة لا تزال غير محسومة، رغم التفوق الواضح لآيزنكوت في عدد التوصيات.
لكن ما يهم لبنان يتجاوز الحسابات البرلمانية الإسرائيلية، إذ إن آيزنكوت ليس شخصية سياسية بعيدة عن المؤسسة العسكرية، بل رئيس سابق لأركان الجيش الإسرائيلي وقائد سابق للمنطقة الشمالية، ارتبط اسمه بإحدى أكثر العقائد العسكرية الإسرائيلية إثارة للجدل، المعروفة باسم “عقيدة الضاحية”.
ففي عام 2008، تحدث آيزنكوت عن استخدام قوة غير متناسبة ضد القرى اللبنانية التي تنطلق منها هجمات على إسرائيل، مستحضراً حجم الدمار الذي لحق بضاحية بيروت الجنوبية خلال حرب تموز 2006. وهي مواقف تعكس خلفيته العسكرية المتشددة تجاه حزب الله، وتطرح تساؤلات حول ما إذا كان وصوله إلى رئاسة الحكومة سيؤدي فعلاً إلى تخفيف العمليات الإسرائيلية.
والأهم أن مواقفه الأخيرة لا تشير إلى تراجع جوهري عن هذه المقاربة. ففي حزيران الماضي، انتقد آيزنكوت قبول نتنياهو قيوداً أميركية على العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله، معتبراً أن الجيش الإسرائيلي يحتاج إلى حرية التحرك ضد الحزب، بما يشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، مع تأكيده عدم استهداف البنية التحتية الوطنية اللبنانية.
وفي هذا السياق، تشير تحليلات نشرتها صحيفتا “جيروزاليم بوست” و”تايمز أوف إسرائيل”، إلى جانب تقديرات مراكز بحثية أميركية، إلى أن الاختلاف المحتمل بين نتنياهو وآيزنكوت لا يتعلق بالضرورة بالهدف الإسرائيلي المعلن المتمثل في نزع سلاح حزب الله، بل بطريقة إدارة هذا الملف والتنسيق مع واشنطن والتعامل مع الجيش اللبناني.
وتشير بعض هذه التقديرات إلى أن آيزنكوت قد يكون أكثر استعداداً لمنح الولايات المتحدة وفرنسا دوراً في الترتيبات الأمنية، وربط أي انسحاب إسرائيلي جزئي بخطوات ينفذها الجيش اللبناني. لكن ذلك يبقى تقديراً سياسياً، وليس التزاماً معلناً بالانسحاب أو وقف الغارات.
وهنا تكمن المفارقة: قد تتغير طريقة التفاوض مع لبنان من دون أن يتغير جوهر المطالب الإسرائيلية، وقد تتبدل الحكومة في تل أبيب بينما يستمر الجيش الإسرائيلي في عملياته، خصوصاً في ظل ربط إسرائيل انسحابها من المناطق اللبنانية التي تسيطر عليها بملف سلاح حزب الله والترتيبات الأمنية الحدودية.
وتزداد حساسية هذه المرحلة مع استمرار التوتر الأميركي الإيراني، إذ إن أي تصعيد إقليمي جديد قد ينعكس على الجنوب اللبناني بمعزل عن هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبلة، فيما تبقى القرارات العسكرية مرتبطة أيضاً بالموقف الأميركي والتطورات الميدانية.
وعليه، فإن اقتراب آيزنكوت من التكليف لا يشكّل بحد ذاته مؤشراً إلى انتهاء التصعيد في لبنان، كما لا يعني حتمية اندلاع مواجهة جديدة. فالاختبار الحقيقي لن يكون في اسم رئيس الحكومة المقبل، بل في موقفه من الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الغارات، والانتشار العسكري على الحدود، ودور الجيش اللبناني في أي ترتيبات أمنية جديدة.
وحتى تتضح هذه المواقف، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يحمل التغيير السياسي في إسرائيل فرصة لتعديل مسار المواجهة في الجنوب، أم أن لبنان سيجد نفسه أمام السياسة العسكرية نفسها، ولكن بقيادة جديدة؟

