في تطور غير مسبوق يهدد بإعادة رسم العلاقات العسكرية بين واشنطن وتل أبيب، امتنع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن نفي إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل، البالغة نحو 4 مليارات دولار، بحلول نهاية عام 2026، في خطوة أثارت صدمة داخل الأوساط الأمنية والمالية الإسرائيلية، خصوصاً أن الاتفاق الحالي بين البلدين يستمر حتى أيلول 2028.
وبحسب صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، جاء أول رد رسمي من مكتب نتنياهو، الجمعة، خالياً من أي نفي لتصريحات ترامب، بل حمل إشارات إلى تحول جوهري في طبيعة العلاقة بين البلدين، من نموذج المساعدات العسكرية المباشرة إلى ما وصفه المكتب بـ”الشراكة والاستثمار المتبادل”.
وكان ترامب قد أعلن، الثلاثاء، بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، أن الولايات المتحدة ستوقف تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل بحلول نهاية العام الجاري، رغم أن مذكرة التفاهم الحالية تنص على تقديم 3.8 مليارات دولار سنوياً حتى أيلول 2028.
وأثار الإعلان مفاجأة لدى مسؤولين إسرائيليين، خصوصاً أن نتنياهو كان قد تحدث سابقاً عن إنهاء الاعتماد على المساعدات الأميركية بصورة تدريجية خلال السنوات الـ10 المقبلة، وليس وقفها دفعة واحدة.
وفي بيان نشره عبر منصة “إكس”، أكد مكتب نتنياهو أن المساعدات الأميركية لإسرائيل كانت دائماً موضع توافق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مضيفاً أن “إسرائيل تتمتع اليوم باقتصاد قوي ومستقر، وأن الانتقال من المساعدات إلى الشراكة يعكس قوة العلاقة بين البلدين وقدرتها على التكيف”.
وفي مؤشر إلى حجم المفاجأة، وصف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إعلان ترامب بأنه أصابه “كالصاعقة”، مشدداً على أن اتفاق المساعدات لا يزال سارياً حتى عام 2028. بدوره، أقرّ السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بأنه لا يعرف ما إذا كان وقف التمويل سيُنفذ نهاية 2026 أم عند انتهاء الاتفاق الحالي.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، بعدما سيطر الديمقراطيون على مجلسَي النواب والشيوخ، وسط تراجع الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل وتصاعد الاعتراضات على حرب إيران وتداعياتها الاقتصادية.
ولفت التقرير إلى أن الدعم لإسرائيل تراجع بصورة حادة داخل القاعدة الديمقراطية، فيما بات عدد متزايد من المشرعين الأميركيين مستعداً للتشكيك في استمرار المساعدات العسكرية، التي شكلت لعقود أحد أبرز مرتكزات التحالف بين البلدين.
وتشير بيانات مجلس العلاقات الخارجية الأميركي إلى أن إسرائيل تلقت منذ تأسيسها عام 1948 مساعدات اقتصادية وعسكرية أميركية تتجاوز 300 مليار دولار بعد احتساب التضخم، وهو مبلغ يفوق ما تلقته أي دولة أخرى منذ عام 1946.
ورغم تراجع نسبة المساعدات الأميركية من إجمالي الإنفاق العسكري الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، فإن وقفها المفاجئ قد يطرح تحديات مالية إضافية، خصوصاً أن الموازنة الدفاعية الإسرائيلية بلغت نحو 45 مليار دولار، مع تخصيص اعتمادات إضافية بقيمة 5 مليارات دولار، فيما لا يزال الجيش يواجه عجزاً يُقدّر بنحو 12 مليار دولار.
وتتزامن هذه التطورات مع مأزق سياسي داخلي يواجهه نتنياهو، بعدما تصدر حزب الليكود الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة من دون الاحتفاظ بالأغلبية الحاكمة، في مقابل حصول منافسه غادي آيزنكوت على تأييد 67 نائباً لتولي رئاسة الحكومة، رغم استمرار الغموض بشأن تشكيل الائتلاف المقبل.
وبين إعلان ترامب المفاجئ وامتناع نتنياهو عن نفيه، تبدو إسرائيل أمام تحول استراتيجي محتمل قد ينهي أحد أبرز أشكال الدعم العسكري الأميركي المباشر، ويضع العلاقة مع واشنطن أمام اختبار جديد، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية على الجانبين.

