هزّت أزمة مصرفية غير مسبوقة المشهد السياسي والاقتصادي في باراغواي، بعدما أعلن الرئيس سانتياغو بينيا استقالته من منصبه على وقع انهيار أحد أكبر المصارف الرقمية في البلاد، وسط احتجاجات شعبية واسعة واتهامات بتضارب المصالح وإساءة استخدام الأموال العامة. وجاءت الاستقالة بعدما فقد نحو 3 ملايين عميل القدرة على الوصول إلى حساباتهم المصرفية، في قضية طالت رئيسًا يُعدّ من أبرز حلفاء دونالد ترامب والداعمين لإسرائيل في أميركا اللاتينية.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ، نشره موقع “القناة 12” الإسرائيلية، أمس الخميس، أعلن رئيس باراغواي سانتياغو بينيا استقالته من منصبه، عقب تفاقم الأزمة المالية والسياسية التي اندلعت إثر سيطرة المصرف المركزي على “أوينو بنك” (Ueno Bank)، أحد أكبر المصارف الرقمية في البلاد.
وأدّت أزمة المصرف إلى حرمان نحو 3 ملايين عميل من الوصول إلى حساباتهم وأموالهم، ما أشعل موجة احتجاجات شعبية واسعة، وتحوّل سريعًا إلى أزمة سياسية هددت بقاء الرئيس في السلطة، بعدما بدأ نواب في البرلمان تحرّكًا رسميًا لعزله.
وفي خطاب مسجّل أعلن فيه قراره، قال بينيا: “أقوم بهذه الخطوة مراعاةً لاستقرار بلادنا والسلم الاجتماعي وضرورة الحفاظ على مؤسساتنا الديمقراطية”.
واعتذر الرئيس المستقيل من المواطنين لاحتمال أنه خيّب آمالهم، لكنه لم يتحمّل المسؤولية المباشرة عن الأزمة المصرفية، مشددًا على أن أحد أهدافه الأساسية يتمثّل في ضمان استعادة العملاء أموالهم.
ومن المتوقع أن يتولّى نائبه بيدرو أليانا الرئاسة خلفًا له، في مرحلة تواجه فيها البلاد تداعيات اقتصادية وسياسية متشابكة.
وجاءت الاستقالة بعدما تحوّلت أزمة المصرف إلى تهديد مباشر لحكم بينيا، إذ سحب حزب “كولورادو” المحافظ، الذي ينتمي إليه، دعمه السياسي له، بالتزامن مع تحرّك المعارضة لإطلاق إجراءات عزله في البرلمان.
وقدّم 35 نائبًا طلبًا لبدء إجراءات العزل، على خلفية اتهامات تتعلق بمسؤولية الرئيس عن الأزمة المصرفية وتداعياتها.
وبدأت القضية عندما قرّر المصرف المركزي في باراغواي وضع يده على “أوينو بنك”، بعد ظهور نتائج رقابية أظهرت عدم التزام المصرف بمتطلبات رأس المال والاستقرار المالي المنصوص عليها في القانون.
وكان المصرف قد شهد توسعًا سريعًا خلال السنوات الماضية، حتى أصبح أحد أبرز المؤسسات المالية في البلاد، مستقطبًا نحو 3 ملايين عميل، أي ما يقارب نصف سكان باراغواي.
لكن تدخّل السلطات الرقابية أدّى إلى تعطّل التطبيق المصرفي وبطاقات الائتمان وخدمات تحويل الأموال، إلى جانب إغلاق فروع المصرف، ما ترك أعدادًا كبيرة من العملاء عاجزين عن الوصول إلى مدخراتهم أو سحب أموالهم.
وكان من بين المتضررين متقاعدون احتفظوا بمدخراتهم داخل المصرف، قبل أن يجدوا أنفسهم محرومين من استخدامها مع توقّف الخدمات.
وبحسب وكالة “أسوشيتد برس”، كان المصرف يدير أموالًا عامة تتراوح قيمتها بين 800 و850 مليون دولار، بينها أموال تابعة لصندوق التقاعد والصحة الحكومي.
وأثارت هذه التطورات حالة من الذعر في النظام المالي في باراغواي، إذ سارع العملاء إلى محاولة تحويل أموالهم إلى مصارف أخرى، ما تسبّب بضغط كبير على الخدمات المصرفية وتعطّل تطبيقات مؤسسات مالية إضافية.
وفي موازاة الاضطرابات المالية، خرج مئات المحتجين إلى شوارع العاصمة أسونسيون، بينهم متقاعدون وطلاب وموظفون وعملاء للمصرف، مطالبين باستعادة مدخراتهم ومحاسبة المسؤولين عن الأزمة.
كما رفع المتظاهرون مطالب بإقالة الرئيس، فيما استخدمت الشرطة الغاز المسيّل للدموع ووسائل تفريق التظاهرات لإبعاد المحتجين.
ولم تقتصر الاحتجاجات على العملاء، إذ شارك فيها أيضًا موظفو المصرف والعاملون في شركات أخرى تابعة لمجموعة “فاسكيز”، المالكة للمؤسسة المالية.
وطالب هؤلاء بدفع رواتبهم وتعويضات صرفهم من العمل، بعدما أفادت تقارير بأن بعض الموظفين لم يتمكنوا من الحصول على رواتبهم، لكونها مودعة في حسابات المصرف الذي أُغلقت خدماته.
ومع اتساع نطاق الأزمة، تصاعدت الانتقادات الموجّهة إلى الرئيس بينيا بسبب علاقاته التجارية السابقة بالمصرف ومجموعته المالكة.
فقد كان الرئيس يمتلك أسهمًا في مجموعة “فاسكيز”، الشركة الأم لـ”أوينو بنك”، حتى آذار 2025، وهو ما أعاد تسليط الضوء على علاقاته المالية بالمؤسسة التي أصبحت في قلب الأزمة.
كما أثار تعيينه كارلوس كارفاژو حاكمًا للمصرف المركزي تساؤلات إضافية، إذ كان الأخير قد تولّى سابقًا رئاسة المؤسسة المالية التي سبقت تأسيس المصرف.
وكان بينيا قد أجرى هذا التعيين بعد تولّيه الرئاسة عام 2023، رغم أن المصرف المركزي هو الجهة المكلفة بمراقبة نشاط المؤسسات المصرفية والإشراف على التزامها بالقوانين.
وفي ضوء هذه المعطيات، اتهم نواب من المعارضة الرئيس بوجود تضارب في المصالح، والاستخدام غير المشروع لأموال التقاعد، ومحاولة إخفاء إخفاقات مؤسسية مرتبطة بإدارة الملف المصرفي.
إلا أن هذه الاتهامات طُرحت في إطار التحرك البرلماني لعزله، ولم تصدر بشأنها أحكام قضائية تثبت مسؤولية الرئيس.
وفي المقابل، فتحت السلطات تحقيقات قضائية مع مسؤولين كبار في المصرف، أسفرت عن توقيف 8 من أبرز مسؤوليه، بينهم مؤسس المصرف ورئيسه.
كما وجّه الادعاء العام اتهامات إلى 27 مديرًا ورجل أعمال، بشبهات ارتكاب مخالفات تشمل خيانة الأمانة ومحاولة الاحتيال.
وبحسب وكالة “أسوشيتد برس”، شملت المعطيات التي كشفت عنها التحقيقات شبهات منح قروض عالية المخاطر لجهات مرتبطة بمالكي المصرف، إضافة إلى نقص في المستندات وعمليات تسجيل غير سليمة للأصول.
وترافقت هذه التطورات القضائية مع تصاعد الغضب الشعبي، في ظل مخاوف بشأن مصير أموال العملاء والصناديق العامة التي كانت مودعة في المؤسسة المصرفية.
ولا تقتصر تداعيات استقالة بينيا على الداخل الباراغواياني، نظرًا إلى علاقاته السياسية الوثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
فالرئيس المستقيل، البالغ من العمر 47 عامًا، اقتصادي عمل سابقًا في صندوق النقد الدولي، ويُعدّ أحد أبرز الحلفاء السياسيين للرئيس الأميركي دونالد ترامب في أميركا اللاتينية.
كما يُعرف بمواقفه الداعمة لإسرائيل، التي نسج معها علاقات سياسية ودبلوماسية وثيقة خلال رئاسته.
وفي كانون الأول 2024، نقل بينيا سفارة باراغواي إلى القدس، في خطوة عكست دعمه لإسرائيل وأسهمت في تعزيز العلاقات الثنائية.
وتُعدّ باراغواي من أبرز دول أميركا اللاتينية تأييدًا لإسرائيل، ما منح بينيا موقعًا مميزًا في علاقاته مع الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو.
ومع إعلان استقالته، تتجه الأنظار إلى نائبه بيدرو أليانا، الذي يُنتظر أن يتسلّم الرئاسة ويتولى معالجة تداعيات الأزمة المصرفية، والاحتجاجات الشعبية، وتراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية.
وبين ملايين العملاء المحرومين من أموالهم، وتحقيقات قضائية تطال مسؤولين مصرفيين، واتهامات سياسية وصلت إلى البرلمان، انتهت الأزمة باستقالة رئيس كان يتمتع بعلاقات وثيقة مع واشنطن وتل أبيب، فيما يبقى التحدي الأساسي أمام السلطة المقبلة استعادة أموال المودعين ومعالجة التداعيات التي تركتها الأزمة على النظام المالي وثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

