تسابق قطر الزمن لمنع اندلاع حرب أميركية إسرائيلية جديدة ضد إيران، بعدما خاض وسطاء قطريون محادثات ماراثونية في طهران استمرت أكثر من 12 ساعة، في محاولة للتوصل إلى تفاهم يعيد واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات المباشرة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، وسط تحذيرات من أن الولايات المتحدة قد تكون على بُعد أيام قليلة من تنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد إيران، قد تشعل مواجهة إقليمية تشمل إسرائيل ودول الخليج، مع احتمال دخول “حزب الله” على خط المواجهة.
وكشف الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد، في تقرير نشره موقع “أكسيوس” الأميركي، نقلاً عن مصادر دبلوماسية، أن الوسطاء القطريين أمضوا يوم الجمعة أكثر من 12 ساعة في محادثات مكثفة داخل طهران، بهدف التوصل إلى اتفاق يسمح باستئناف المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وتجنّب اندلاع الحرب بعد الانتخابات الأميركية.
وبحسب التقرير، من المقرر أن تتواصل المحادثات اليوم السبت في العاصمة القطرية الدوحة، بعد إحراز ما وصفه مصدر دبلوماسي بـ”تقدم إيجابي” خلال لقاءات طهران.
وأكد المصدر أن الوسطاء القطريين كانوا على اتصال منتظم بالبيت الأبيض طوال جلسات الجمعة، مشيراً إلى أن “تقدماً إيجابياً تحقق، والمحادثات لا تزال مستمرة في محاولة لفتح الطريق أمام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران”.
وتقوم المبادرة القطرية على إقناع الطرفين بالموافقة على سلسلة خطوات متبادلة تُنفّذ خلال أيام قليلة، تمهيداً لاستئناف المفاوضات المباشرة بشأن البرنامج النووي الإيراني وقضايا أخرى.
إلا أن العقبات لا تزال كبيرة، إذ كشف مسؤول أميركي أن المفاوضات تصطدم بمطلبين متعارضين: إصرار إدارة الرئيس دونالد ترامب على تقديم إيران تنازلات نووية قبل استئناف المحادثات، في مقابل اشتراط طهران رفع الحصار البحري الأميركي أولاً، والإفراج عن أموالها المجمدة، والسماح لها باستئناف بيع النفط.
وفي محاولة لكسر الجمود، يسعى الوسطاء القطريون إلى إقناع إيران بالسماح لمفتشي الأمم المتحدة بزيارة منشآتها النووية التي تعرضت للقصف، باعتبار هذه الخطوة إجراءً لبناء الثقة، على أن ترد واشنطن بتخفيف بعض العقوبات الاقتصادية.
لكن السباق الدبلوماسي يجري بالتزامن مع انقسام داخل الدائرة الضيقة المحيطة بترامب بشأن التعامل مع إيران.
فوفق مسؤول أميركي، يبدي وزير الدفاع بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو تشككاً كبيراً في إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي مع النظام الإيراني الحالي، ويريان أن الإرث السياسي لترامب ينبغي أن يتمثل في إضعاف هذا النظام بصورة أكبر، بما في ذلك تنفيذ ضربات عسكرية إضافية.
في المقابل، يدفع نائب الرئيس جي دي فانس، إلى جانب مبعوثَي ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، باتجاه استئناف المفاوضات، فيما لا يزال الرئيس الأميركي نفسه متشككاً في استعداد إيران لقبول اتفاق يراه مناسباً.
وقال ترامب للصحافيين الجمعة: “هناك محادثات. إنهم يريدون التحدث. وهم يواصلون التحدث… لدينا الوقت، بصراحة. إنها حرب، لكنها ليست حرباً تقليدية”.
أما وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي يقود حملة الضغط الاقتصادي على إيران تحت اسم “عملية المنبوذ الاقتصادي”، فيُعدّ من أبرز المقربين من ترامب الذين يحثّونه على إعطاء هذه الحملة مزيداً من الوقت لتحقيق أهدافها، بدلاً من التسرع في العودة إلى العمليات العسكرية.
وفي موازاة هذه الخلافات داخل الإدارة الأميركية، تتحرك عواصم إقليمية لمنع انفجار الوضع.
فبحسب مصدر إقليمي، تضغط مصر وتركيا والعراق وباكستان والسعودية على إيران للموافقة على استئناف المفاوضات قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
وتكمن خطورة التوقيت، وفق مسؤول أميركي، في احتمال أن يصبح ترامب أكثر ميلاً إلى إصدار أمر بتنفيذ عملية عسكرية كبرى ضد إيران إذا مُني الجمهوريون بخسارة قاسية في الانتخابات.
وقال المسؤول: “إذا شعر بالإحراج أو بأنه تعرض للتهميش، فسيفعل شيئاً جريئاً. هذا ما يقوله الجميع للإيرانيين. أفضل فرصة أمامهم للتوصل إلى اتفاق هي الآن”.
غير أن مسؤولاً في البيت الأبيض أكد أن نتائج الانتخابات لن تكون عاملاً مؤثراً في قرارات ترامب المتعلقة بإيران.
وكشف التقرير أيضاً أن قيادتي السعودية وتركيا حثّتا الرئيس الأميركي خلال الأيام الأخيرة على منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت، في محاولة لتجنّب مواجهة قد تتجاوز الأراضي الإيرانية وتمتد إلى المنطقة بأكملها.
وفي الاتجاه المعاكس تماماً، يضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على ترامب للموافقة على تنفيذ عملية عسكرية أميركية إسرائيلية مشتركة ضد إيران فور انتهاء الانتخابات.
وتشير المعطيات التي أوردها “أكسيوس” إلى أن الولايات المتحدة باتت على بُعد أيام قليلة من احتمال تنفيذ عملية عسكرية قد تلحق أضراراً هائلة بإيران، وتؤدي إلى ضربات انتقامية تستهدف إسرائيل وعدداً من دول الخليج.
وتزداد خطورة السيناريو مع التهديدات الإيرانية بالرد على أي استهداف أميركي للبنية التحتية للطاقة لديها، عبر مهاجمة منشآت النفط والغاز في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين.
ومن شأن هذه الضربات، إذا وقعت، أن تتسبب بدمار واسع لا يقتصر على إيران، بل يمتد إلى دول الخليج، بما يفاقم أزمة الطاقة العالمية.
أما لبنان، فيحضر في الحسابات العسكرية بوصفه إحدى الساحات المحتملة لتوسع المواجهة، إذ يشير التقرير إلى أن أي هجوم أميركي على إيران سيُنفّذ بصورة مشتركة مع إسرائيل، ومن المرجح أن ترد طهران بضربات صاروخية، فيما قد ينخرط “حزب الله” أيضاً في شن هجمات ضد إسرائيل.
وبذلك، لا تقتصر أهمية المحادثات القطرية على محاولة إعادة إحياء الاتفاق النووي، بل تتجاوزها إلى منع حرب إقليمية واسعة قد تضع دول الخليج وإسرائيل ولبنان أمام تداعيات عسكرية واقتصادية خطيرة.
وبين ضغوط نتنياهو لتسريع الضربة العسكرية، ومساعي الدوحة والرياض وأنقرة لإبقاء باب التفاوض مفتوحاً، تبدو الأيام القليلة الفاصلة عن الانتخابات الأميركية حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة، فيما يبقى السؤال الأهم: هل تنجح قطر في انتزاع اتفاق يوقف الاندفاع نحو الحرب، أم تتحول مرحلة ما بعد الانتخابات إلى بداية مواجهة جديدة تشمل المنطقة بأكملها؟

