عاد ملف إعادة بناء القدرات العسكرية لـ”حزب الله” إلى الواجهة، بعدما كشفت معلومات نشرتها وكالة “رويترز”، ونقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، عن حصول الحزب على تمويل إيراني جديد استُخدم، بحسب مصادر أمنية، في شراء مواد متفجرة وتصنيع مسيّرات هجومية وترميم منظومات القيادة والسيطرة التي تضررت خلال الحرب مع إسرائيل.
وتشير المعطيات إلى أن الحزب يعمل على استعادة قدراته العسكرية بوتيرة متسارعة، من دون أن يكون قد استكمل إعادة بناء ترسانته وقوته القتالية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من احتمال اندلاع مواجهة إقليمية جديدة مع إيران قد تمتد إلى الجبهة اللبنانية.
وفي تقرير نشره موقع “واللا” الإسرائيلي في 26 تشرين الأول، نقل الصحافي عميت أفيتان عن “رويترز” أن إيران قدّمت لحزب الله عشرات ملايين الدولارات لتعزيز قدراته العسكرية، استناداً إلى معلومات من مصادر أمنية لبنانية وأخرى مقربة من الحزب.
وبحسب التقرير، استغل الحزب فترة الهدوء النسبي منذ حزيران الماضي لإعادة تنظيم وحداته العسكرية وتعزيز قدراته الهجومية، مع تركيز خاص على شراء المواد المتفجرة وتصنيع مسيّرات قادرة على استهداف مواقع إسرائيلية.
وفي الشق المالي، تحدثت المعلومات عن عشرات ملايين الدولارات المخصصة للأغراض العسكرية، وهي منفصلة عن نحو 200 مليون دولار سبق أن أفادت “رويترز” بأن إيران قدّمتها لدعم العائلات النازحة والمتضررة من الحرب في المناطق التي يتمتع فيها الحزب بنفوذ واسع.
أما على المستوى التنظيمي، فتتركز جهود التعافي على إعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة، بعدما تحدثت مصادر أمنية لبنانية عن أضرار كبيرة لحقت بهذه المنظومات خلال المعارك السابقة، ولا سيما في بنت جبيل ومنطقة تلة علي الطاهر.
ووفق المصادر التي نقلت عنها “رويترز”، فإن اعتماد الحزب خلال بعض المواجهات على وحدات قتالية صغيرة، مع تقييد استخدام الصواريخ المضادة للدروع، أدى إلى عزل مجموعات ميدانية وإضعاف قدرتها على مواجهة المسيّرات المسلحة والوسائل القتالية الإسرائيلية التي تُدار عن بُعد.
في المقابل، نفى المكتب الإعلامي لحزب الله لـ”رويترز” انهيار منظومات القيادة والسيطرة، في مؤشر إلى التباين بين التقديرات الأمنية والموقف الرسمي للحزب بشأن حجم الخسائر العسكرية والتنظيمية.
واللافت أن التقرير ربط جهود إعادة التسلح بملف شحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية خلال تشرين الأول، بعدما أعلن الحزب أن الشحنة تعود إليه وأنها مخصصة للاستخدام ضد إسرائيل.
ونقلت “رويترز” عن مصدر في الحزب وآخر أمني لبناني أن المواد المضبوطة كانت مخصصة لتصنيع مسيّرات متفجرة، في معلومة تكتسب أهمية خاصة في ضوء التحقيقات القضائية اللبنانية بشأن الشحنة ومسار نقلها والجهات المرتبطة بها.
وفي موازاة إعادة بناء القدرات العسكرية، يبرز تحدٍّ أكثر تعقيداً يرتبط بموقف الحزب من احتمال اندلاع حرب جديدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
فقد نقل “واللا” عن صحيفة “العربي الجديد” أن حزب الله أجرى مشاورات مع الإيرانيين بشأن إمكان تقديم مساعدة عسكرية لطهران في حال تجدد المواجهة، لكنه يتعامل بحذر مع هذا الاحتمال، نظراً إلى الكلفة العسكرية والبشرية والاقتصادية التي قد تترتب على لبنان وبيئته الشعبية.
كما تحدث التقرير عن اتصالات يجريها رئيس مجلس النواب نبيه بري مع الحزب بهدف تجنب الانخراط في حرب إقليمية جديدة، ضمن مساعٍ سياسية لإبقاء لبنان خارج دائرة المواجهة.
ورغم تداول معلومات عن تعهد الحزب بعدم الدخول في الحرب، فإن مصدراً برلمانياً فيه لم يؤكد وجود مثل هذا التعهد، فيما امتنع الحزب، في رده على “رويترز”، عن تقديم موقف حاسم بشأن مشاركته المحتملة في أي مواجهة جديدة.
وفي المقابل، تؤكد المصادر الأمنية التي استندت إليها الوكالة أن الحزب لم يستكمل إعادة تكوين مخزونه العسكري وقوته المقاتلة، ما يعني أن التمويل الإيراني وجهود التصنيع وإعادة التنظيم لم تؤدِّ بعد إلى استعادة كامل قدراته السابقة.
وتتقاطع هذه المعطيات مع تقارير عسكرية إسرائيلية تتحدث عن استمرار جهود الحزب لإعادة بناء بنيته العسكرية، في مقابل تكثيف الجيش الإسرائيلي عملياته الهادفة إلى تعطيل هذه الجهود ومنع إعادة إنشاء مواقع ومنشآت عسكرية في جنوب لبنان.
وتكشف الصورة الناشئة عن سباق متواصل بين محاولات حزب الله ترميم قدراته العسكرية والعمليات الإسرائيلية الرامية إلى إضعافها، وسط غموض بشأن حجم الترسانة التي تمكن الحزب من استعادتها ومستوى جاهزية وحداته لخوض مواجهة واسعة.
والأهم أن استعادة بعض القدرات العسكرية لا تعني بالضرورة استعادة القدرة على خوض حرب طويلة، كما أن استمرار التحضيرات لا يعني اتخاذ قرار بالمشاركة في مواجهة إقليمية.
وبين الأموال الإيرانية والمسيّرات الجديدة ومحاولات ترميم منظومات القيادة، يقف حزب الله أمام معادلة دقيقة تجمع بين إعادة بناء قوته العسكرية وتحديد حدود انخراطه في أي حرب محتملة مع إيران.
أما لبنان، فيبقى أمام السؤال الأكثر حساسية: هل تنجح الجهود السياسية في إبقاء البلاد خارج المواجهة المقبلة، أم أن أي تصعيد عسكري ضد طهران سيعيد الجبهة الجنوبية إلى دائرة النار؟

