تدخل الهدنة الهشة بين الولايات المتحدة وإيران ساعات حاسمة مع اقتراب موعد انتهائها الاثنين، في ظل تعثر المفاوضات الرامية إلى تمديد وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية تنهي الحرب المستمرة منذ أشهر، وسط مؤشرات أميركية إلى أن الانقسامات داخل بنية الحكم في طهران باتت تشكل إحدى أبرز العقبات أمام الوصول إلى اتفاق.
ووصف مسؤول كبير في البيت الأبيض الوضع بين واشنطن وطهران بأنه “جامد”، مشيرًا إلى أنه لم يسمع حتى بعد ظهر الجمعة عن أي ترتيبات لتمديد وقف إطلاق النار، وفق ما نقل موقع “بوليتيكو”.
وكانت مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن وطهران في 17 حزيران الماضي قد حددت فترة تفاوض مدتها 60 يومًا بهدف الوصول إلى تسوية نهائية، ما يجعل 17 آب موعد انتهاء المهلة المحددة.
وقال المسؤول الأميركي، الذي لم يكشف عن هويته، إن المسألة لا تتعلق بمدى قرب الطرفين أو ابتعادهما عن الاتفاق، بل بما إذا كانت إيران مستعدة للجلوس إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى تفاهم، مضيفًا أن طهران “لم تفعل ذلك حتى الآن”.
ويرى مسؤولون أميركيون أن تعقيدات التفاوض لا ترتبط فقط بالخلافات المباشرة بين واشنطن وطهران، بل أيضًا بالتباينات داخل النظام الإيراني، حيث يشيرون إلى وجود 3 أجنحة رئيسية تتمثل في الحرس الثوري ورجال الدين وقيادة الحكومة.
وبحسب مسؤول في البيت الأبيض، فإن التوصل إلى تفاهم مع أحد هذه الأطراف لا يعني بالضرورة موافقة الأطراف الأخرى، مشددًا على أن أي اتفاق يحتاج إلى موافقة جميع مراكز القرار كي يكون قابلًا للتنفيذ.
وأضاف أن الجانب الأميركي يعرف موقفه بوضوح، لكنه لا يعرف في كثير من الأحيان الموقف الإيراني النهائي، معتبرًا أن طهران تواصل تعديل شروطها التفاوضية.
وتتركز الخلافات بين الجانبين حول عدد من الملفات الأساسية، أبرزها الأصول المالية الإيرانية المجمدة، ووضع حركة السفن في مضيق هرمز، إضافة إلى الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.
وفي محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، تراهن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تشديد الضغط الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن واشنطن ستطلق الأسبوع المقبل حملة جديدة لـ”العزل الاقتصادي”، بهدف زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني.
كما أكد مسؤول ثانٍ في البيت الأبيض أن ترامب يحتفظ بكل “الخيارات” إذا واصلت إيران دعم الجماعات المسلحة ورفضت التوصل إلى اتفاق.
وأشار المسؤول إلى أن العقوبات المشددة والحصار البحري أضعفا الاقتصاد الإيراني بصورة كبيرة، معتبرًا أن من مصلحة طهران التوصل إلى اتفاق، وإلا فإنها “تعرف ما سيحدث”.
في المقابل، رفعت القيادة الإيرانية سقف مطالبها بشأن وقف إطلاق النار، لتشمل الحصول على تعويضات عن أضرار الحرب، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ووقف التهديدات الأميركية ضد إيران وحلفائها.
ويُعد مضيق هرمز أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المفاوضات، بعدما تراجعت حركة الملاحة عبره بصورة حادة نتيجة التوتر بين واشنطن وطهران.
وتطالب إيران بإمكانية فرض رسوم عبور أو بدلات مالية أخرى على حركة السفن في المضيق، وهو مطلب ترفضه الولايات المتحدة بصورة قاطعة.
وقال مسؤول أميركي كبير إن أي رسوم أو بدلات مالية أو ضوابط على حركة المرور عبر المضيق “غير مطروحة للنقاش”، مؤكدًا رفض واشنطن منح إيران أي صلاحية من هذا النوع.
وتزامن ذلك مع تهديد الولايات المتحدة بالإبقاء على حصارها البحري للموانئ الإيرانية إلى أجل غير مسمى، بينما تواصل طهران التمسك بمواقفها بشأن المضيق والعقوبات والأصول المالية المجمدة.
ويشكك عدد من الخبراء في قدرة الضغط الاقتصادي وحده على دفع إيران إلى تقديم تنازلات كبيرة، بالنظر إلى خبرتها الطويلة في التعامل مع العقوبات والقيود الاقتصادية المفروضة عليها خلال السنوات الماضية.
وقال شخص مطلع على المفاوضات إن إدارة ترامب قد تكتشف أن “عتبة الألم” لدى الإيرانيين مرتفعة للغاية، ما قد يجعل الضغط الاقتصادي غير كافٍ للوصول إلى الأهداف الأميركية.
وحذر من أن الوقت يضيق أمام واشنطن إذا كانت تسعى إلى تحقيق مستوى من الاستقرار قبل الانتخابات الأميركية، في وقت تزداد فيه الضغوط الداخلية نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتداعيات الحرب على الاقتصاد.
وتكتسب مهلة 17 آب أهمية خاصة لأنها تشكل المحطة الزمنية التي يفترض أن تنتهي عندها فترة التفاوض المحددة في مذكرة التفاهم، ما يضع الطرفين أمام خيارين أساسيين: تمديد الهدنة والدخول في مرحلة تفاوض جديدة، أو العودة إلى التصعيد مع استمرار الحصار والضغوط الاقتصادية والعسكرية.
ويأتي ذلك في وقت تحولت فيه ملفات مضيق هرمز والعقوبات والأصول المجمدة إلى عناصر مترابطة في مسار التفاوض، بعدما تجاوز الخلاف بين واشنطن وطهران الملف النووي ليشمل ترتيبات الملاحة والتجارة والطاقة وشكل العلاقة بين الطرفين بعد الحرب.
ومع اقتراب نهاية المهلة، تزداد المخاوف من أن يؤدي غياب التفاهم إلى تجدد المواجهة، خصوصًا أن الهدنة الحالية بقيت هشة طوال الفترة الماضية، فيما واصل الطرفان رفع سقف شروطهما واستخدام أوراق الضغط العسكرية والاقتصادية.
وتبقى الساعات المقبلة حاسمة في تحديد الاتجاه الذي ستسلكه الأزمة: إما التوصل إلى صيغة تسمح بتمديد وقف إطلاق النار وفتح نافذة جديدة للمفاوضات، أو الدخول مجددًا في مرحلة من التصعيد قد تمتد تداعياتها إلى أسواق الطاقة والملاحة في مضيق هرمز والمنطقة بأسرها.

