منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان، لم يقتصر الصمود على الأهالي الذين تمسّكوا بأرضهم، بل امتد أيضاً إلى أعضاء المجالس البلدية الذين وجدوا أنفسهم في الخطوط الأمامية لخدمة بلداتهم. وبين الغارات والدمار والمخاطر اليومية، تولّى هؤلاء مسؤوليات تتجاوز العمل البلدي التقليدي، من تأمين الخدمات الأساسية وفتح الطرقات وإصلاح شبكات المياه والكهرباء، إلى متابعة شؤون النازحين ودفن الشهداء والتنسيق مع الجيش والدفاع المدني.
في قانا – جنوب لبنان، التي كانت من أكثر البلدات تضرراً، يروي أعضاء مجلسها البلدي كيف تحوّل الواجب البلدي إلى مهمة إنسانية ووطنية، فرضت عليهم البقاء إلى جانب الناس رغم كل الأخطار.
من يزورُ البلدة الجنوبية، يمكنهُ التوجه فوراً إلى نقطة مركزيّة عنوانها “قهوة السيد”. هناك، سيجدُ الباحث عن أي جوابٍ رجلاً في عُمر الخمسين، وهو السيّد حسن السيّد، عضو مجلس بلدية قانا الذي لم يُغادر البلدة منذ بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان.
في تلك البلدة، يمكثُ السيد ليكون معنياً بكل شيء، فيما يُعتبر مسؤولاً عن متابعة شؤون المنطقة، سواء على صعيد تأمين مياه الشفة للمنازل أو لناحية مواكبة عمليات إصلاح الكهرباء والشبكات المُتضررة جراء الحرب أو لجهة متابعة شؤون المواطنين وأحوالهم.
مع قلّة قليلة من المواطنين، بقيَ السيد في بلدة قانا خلال الحرب الإسرائيلية، وبالنسبة له، يحتّم واجبه وتكليفه تجاه الناس، أن يكون أميناً على بلدتهم.
في قانا، وحدات سكنية عديدة دمرها القصف الإسرائيليّ وحوّلها إلى ركام. لكن رغم ذلك، عاد المواطنون إليها ليسكونها، فيما استعاد الجنوبيون هناك حياتهم الطبيعية، ففتحوا المتاجر والمحلات، بينما الحركة عادت إلى طبيعتها.
في حديثٍ عبر “لبنان24″، يقول السيّد إن قانا صامدة وما انكسرت يوماً، وذلك بفضل تمسك أهل الجنوب بأرضهم، موضحاً أنَّ الحرب كانت صعبة وشرسة، لكنه آثر عدم الخروج من البلدة لتلبية احتياجات من بقي فيها من مواطنين عُزّل.
بصفته عضواً في بلدية قانا، كان السيد مُشرفاً على دفن الشهداء وتأمين الأضرحة لهم، كما أن ساعات نهاره موصولة بالليل. في الوقت نفسه، كانت البلدة القريبة من المنطقة الأمامية في جنوب لبنان تحت الخطر الشديد، فيما التحليق المكثف للطيران المسير الإسرائيلي لا يُفارقها.
يؤكد السيد تمسكه ببلدته وحبه لها، وقال: “نخدمها بعيوننا، وهذه البلدة عزيزة علينا جداً، كما كل الجنوب وكل لبنان. رغم كل المخاطر، سنبقى في جنوبنا لأننا نحب بلدنا، ونحن كأشخاص مُنتخبين، علينا أن نقدّم الغالي والرخيص في سبيل هذه البلدة لأننا نكبرُ بها”.
قانا.. مركز للقرى الأخرى
من ناحيته، أكد عضو المجلس البلدي في قانا عصام فتوني لـ”لبنان24″ أن البلدية واصلت متابعة شؤون البلدة خلال الحرب رغم الظروف الأمنية، فيما بقي عدد من أبناء البلدة في الميدان لمتابعة احتياجات السكان.
وأوضح أن جهوداً كبيرة بُذلت لإصلاح الأعطال، ولا سيما في قطاع الكهرباء، بالتنسيق مع الجيش والمتعهدين، إضافة إلى إزالة الأنقاض وفتح الطرقات، فيما تولّى متطوعون متابعة عمليات دفن الشهداء والتواصل اليومي مع الدفاع المدني.
وأشار فتوني إلى أن قانا تُعد مركزاً حيوياً يخدم نحو عشر قرى مجاورة، وتضم سوقاً تجارية رئيسية، مؤكداً استمرار التعاون والتنسيق مع البلدات المحيطة.
وذكر أن البلدية تركز حالياً على رفع الأنقاض، والبحث عن المفقودين تحت المباني المدمرة، ومن بينها المبنى الذي استشهد فيه المواطن حسن
نصر الله، حيث لم يجرِ العثور حتى الآن على أثرٍ له.
ولفت إلى أن البلدة تواجه تحديات كبيرة في قطاعي المياه والكهرباء، نتيجة تعطل محطات الضخ وعدم وصول التيار الكهربائي، مؤكداً أن البلدية تبذل جهوداً لمعالجة هذه المشكلات وإعادة الخدمات تدريجياً.
وختم بالإشارة إلى أن مجلس الجنوب لم يبدأ بعد أعماله في قانا، فيما يساهم أبناء البلدة المغتربون، ولا سيما في ساحل العاج وأبيدجان، في دعم البلدية وتمويل جزء من احتياجاتها.

