في مقاربة إسرائيلية تعكس نقاشًا داخليًا حول المرحلة المقبلة بعد الضربات على إيران ولبنان وغزة والضفة الغربية، يدعو عوديد تيرا إلى إعادة تقييم الاستراتيجية تجاه طهران، معتبرًا أن ما يجري الآن ليس تراجعًا بل “مرحلة شرعية” في مسار إضعاف إيران، شرط أن تعرف إسرائيل كيف تستثمر موقع القوة الذي راكمته لبناء تحالفات جديدة في المنطقة.
وبحسب مقال لعوديد تيرا في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن الشركات الكبرى والمؤسسات الواسعة تعتاد وضع استراتيجيات وتحديثها من وقت إلى آخر، تبعًا لتغير ظروف السوق أو تبدل القدرات، وهذا ما يجب تطبيقه الآن على الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران.
ويكتب تيرا أنه إذا كانت الاستراتيجية الأولى في مواجهة إيران تقوم على حسمها عسكريًا واقتصاديًا، وتحويلها إلى دولة أقل عداء لإسرائيل، وتدمير قدرتها النووية العسكرية، وتوجيه ضربة قاسية إلى قدراتها الصاروخية، وخلق بيئة خالية من التهديدات الوجودية لإسرائيل، فإن الوقت حان لاختبار هذه الاستراتيجية من جديد.
ويشير إلى أنه حتى قبل اندلاع الحرب مع إيران طرح استراتيجية بديلة، قال فيها إنه ربما يكون من الأفضل إنهاء الحرب مع بقاء إيران دولة إسلامية شيعية متحدية، تحفظ الحاجة إلى تحالفات إسرائيلية مع دول سنية وغيرها.
وبرأيه، يمكن من خلال ذلك تعزيز الميزة النسبية الإسرائيلية في مجالات القوة الحركية، أي القتالية، وفي مجالات التكنولوجيا. ويضيف أن “اتفاقات أبراهام”، التي تهدف من بين أمور أخرى إلى إنشاء تحالف وقوة في مواجهة إيران، قد تفقد ضرورتها إذا جرى حسم إيران بالكامل.
ويقدّر تيرا أن إضعاف إيران كان سيؤدي إلى تعزيز مكانة باكستان وتركيا ومصر، فيما كانت إسرائيل ستُدفع إلى الهامش.
ويعتبر أن إسرائيل والولايات المتحدة سارتا جنبًا إلى جنب، ليس بسبب “الرومانسية”، بل بسبب وحدة المصالح خلال فترة زمنية مهمة، وكان جيدًا أن تعرف إسرائيل كيف تستغل ذلك من أجل توجيه ضربة مؤلمة ومهمة إلى إيران.
لكنه يلفت إلى أنه، كما في كل شراكة استراتيجية بين طرفين سياسيين، توجد ارتفاعات وانخفاضات في تقاطع المصالح، وحتى فترات طويلة من التوقف أو الانقطاع، معتبرًا أن هذا هو من طبيعة العالم منذ القدم.
ويرى تيرا أن أمام إسرائيل الآن أهمية كبيرة في تحديث استراتيجيتها بسبب التغيرات في المصفوفة السياسية والاقتصادية، والانتقال إلى مسار عام مشابه لكنه مختلف إلى حد كبير، أي الذهاب إلى “خيار عمل محتمل ب”.
ويحدد العامل الاستراتيجي الأول المؤثر بكون انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة ستجري في تشرين الثاني، وأن الحزب الجمهوري يريد الفوز بها. أما العامل الثاني فهو ارتفاع أسعار النفط وما يرافقه من تضخم، بما قد يلحق ضررًا قاسيًا بسوق المال وباقتصادات العالم.
ولأجل تحديث الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران والشرق الأوسط عمومًا، يضع تيرا مجموعة من الفرضيات الأساسية. الأولى أن الولايات المتحدة حيوية لأمن إسرائيل، ولذلك يجب في كل الأحوال عدم إلحاق ضرر كبير بالعلاقات معها.
أما الفرضية الثانية فهي وجود كراهية شديدة بين المسلمين الشيعة والمسلمين السنة، وهي كراهية تتبدل أشكالها لكنها موجودة عميقًا في قلوب المسلمين، وفق تعبيره. ويضيف أن إيران، وخصوصًا في صيغتها الحالية، هي دولة شيعية متطرفة تقريبًا بحكم التعريف.
والفرضية الثالثة أن الدول السنية الموجودة في المنطقة باتت تفهم الآن أكثر من السابق أن لدى الولايات المتحدة مصفوفة مصالح لا تتطابق بالضرورة، ولا على المدى الطويل، مع مصالح دول المنطقة.
أما الفرضية الرابعة فهي أن إيران لا تلتزم بالاتفاقات. وبحسب الماضي، يفترض تيرا أن إيران ستواصل السعي إلى امتلاك سلاح نووي من أجل ضمان بقاء النظام الذي أضعفته الحرب. كما يرى أن الحرب عززت مكانتها من بعض النواحي أمام جيرانها، ويضيف إلى هذه الفرضية أن الصراعات الإقليمية مع إيران ستتواصل بشكل أو بآخر في المستقبل.
وتقوم الفرضية الخامسة على أن التنافس في بيع النفط سيزداد حدة بسبب تطور الطاقات البديلة، وخصوصًا الطاقة الشمسية. ويشدد على أهمية تذكر أن السيارة الكهربائية لا تحقق توفيرًا كبيرًا ما دام إنتاج الكهرباء نفسه لا يأتي من الشمس والرياح. وعندما يتراجع الطلب على النفط ومشتقاته، ستكون لدى إيران أدوات منافسة قوية في مواجهة منافسيها في المنطقة.
أما الفرضية السادسة، التي يصفها بالبديهية، فهي أن الاتفاقات الموقعة لن تصمد من دون توازنات، بعضها مشتق من القوة العسكرية. فكل اتفاق، حتى اتفاق السلام، لن يصمد ما دام من يخرقه لا يفترض أن الخرق سيلحق به ضررًا لا يحتمل بالنسبة إليه.
والفرضية السابعة والأخيرة هي أن إسرائيل، بعد عمليات الهجوم في إيران ولبنان وغزة والضفة الغربية في الوقت نفسه، خلقت لدى جيرانها الإقليميين إدراكًا وتقديرًا بأنها رافعة قوة مهمة، أقوى من مصر وتركيا وباكستان وغيرها.
وانطلاقًا من هذه الفرضيات، يقدّر تيرا أن دولًا سنية، ودولًا أخرى أيضًا، ستواصل في المرحلة المقبلة البحث عن حلفاء مثل إسرائيل، بعضها بشكل علني وبعضها الآخر كـ”علاقات غير معلنة”. ويرى أن العمل على هذه التحالفات يجب أن يبدأ الآن، لأن الطلب عليها سيكون أكبر نتيجة اليقظة من فكرة المساعدة الأميركية “في كل وضع”.
ويفترض أن الولايات المتحدة ستكون سعيدة بهذه التحالفات، لأنها ستوفر عليها إرسال أساطيل وقوات أخرى إلى المنطقة. كما يقدّر أن اندفاع أميركا إلى الحروب سيتراجع في الإدارات المقبلة.
وفي خلاصة المقال، يؤكد تيرا أنه لا سبب للانفعال المفرط، معتبرًا أن ما يحدث الآن هو مرحلة شرعية في الحملة لإضعاف إيران. ويقول إن إسرائيل نفذت فصلًا بالغ الأهمية، وإن يدها لا تزال ممدودة، بعدما صنعت لنفسها مكانة قوة عظمى، وما هو مطلوب الآن هو إيجاد الطريق لاستغلال حاجة الجيران إلى إظهار القوة في مواجهة إيران بمكانتها الجديدة – القديمة.
ويضيف أن تنفيذ المطلوب من أجل بناء هذه التحالفات يحتاج إلى قدرة إدارية متعددة الاختصاصات، كما يحتاج إلى تماسك داخلي في إسرائيل. ويختم بالقول إن المعركة لم تنتهِ.

