بعد 4 أيام على تجميد المفاوضات بين واشنطن وطهران، تعود الدوحة إلى واجهة المشهد، لكن من دون لقاء مباشر بين الأميركيين والإيرانيين. فالنقاش هذه المرة يدور عبر الوسطاء، قطر وباكستان، على تنفيذ مذكرة التفاهم، فيما تضع إيران شروطاً واضحة، من الأموال المجمدة إلى مضيق هرمز، وصولاً إلى وقف الحرب في لبنان.
وبحسب تقرير للصحافي ليئور بن آري في موقع “ynet”، تستضيف العاصمة القطرية الدوحة، اليوم الأربعاء، محادثات بين إيران والوسطاء، وبين الولايات المتحدة والوسطاء. وخلافاً لما حصل في سويسرا، لا يُتوقع أن تشمل المحادثات التقنية اليوم لقاءات مباشرة بين الطرفين، فيما تشترط إيران الوصول إلى اتفاق نهائي بتنفيذ بنود مذكرة التفاهم أولاً، بما في ذلك وقف إطلاق النار في لبنان.
وذكر التقرير أن صحيفة “وول ستريت جورنل” أفادت، مساء أمس، بأن الحرس الثوري الإيراني أبلغ الوسطاء أنه سيغلق مضيق هرمز مجدداً إذا لم يحصل، خلال المحادثات، على ضمانات بأن طهران هي الجهة الوحيدة المسيطرة على المضيق. وبحسب التقرير نفسه، طالب الحرس الثوري أيضاً بأن تتخلى الولايات المتحدة ودول أخرى عن خطة استخدام المسار الجنوبي في المضيق، الذي يمر قبالة سواحل عُمان.
ورغم وصول المبعوثين الأميركيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى الدوحة، فإنهما لن يجريا محادثات مباشرة مع ممثلي إيران، بل سيلتقيان بشكل منفصل مع ممثلي الوسيطتين قطر وباكستان. وكان كوشنر وويتكوف قد التقيا، مساء أمس، رئيس الحكومة القطرية محمد آل ثاني، الذي شدد لهما على أن الدوحة ستواصل جهود الوساطة في المحادثات بين واشنطن وطهران.
ووفق بيان وزارة الخارجية القطرية، بحثت الأطراف تطورات المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، والمسارات المنبثقة عن مذكرة التفاهم بين الدولتين، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن مضمون النقاشات.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، أمس، إنه “لا يُتوقع وصول مسؤولين إيرانيين كبار إلى الدوحة في هذه المرحلة”. أما المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، فأوضح أن “الوفد التقني الإيراني يرأسه نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية، كاظم غريب آبادي”.
وأضاف بقائي: “القرارات في إيران لا تُتخذ من قبل جهة واحدة، بل عبر المؤسسات، فيما تكون وزارة الخارجية مسؤولة عن التنفيذ”. وتابع: “نحن ندعم أي حوار يجسر بين وجهات النظر ويعزز وحدة الشعب الإيراني. نواصل العمل بمذكرة التفاهم مع أميركا على أساس خطوة مقابل خطوة، وسنحترم كل التزاماتنا طالما أن واشنطن تفعل الأمر نفسه”.
وعن مضمون المحادثات، قال الأنصاري إن “المفاوضات تشمل مواضيع مختلفة، بينها البرنامج النووي والأموال المجمدة. التصعيد الأخير في مضيق هرمز لم يوقف المحادثات التقنية”. في المقابل، أوضح بقائي أن ما سيجري في الدوحة هو “نقاش مع الجانب القطري حول تنفيذ أجزاء من مذكرة التفاهم، بما في ذلك الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة”.
وأضاف بقائي أن وقف إطلاق النار في لبنان سيكون مطروحاً أيضاً، قائلاً: “نؤكد أن المطلوب ليس فقط وقف الحرب في لبنان، بل أيضاً إنهاء الوجود الإسرائيلي”.
أما في ملف الأموال الإيرانية المجمدة، فأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة جمّدت 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية في قطر، وتريد طهران الإفراج عنها، وقد قدمت ذلك كشرط لمواصلة المحادثات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية إن الأموال المجمدة “مخصصة لتمويل مشتريات إنسانية، وفقاً لاتفاق بين واشنطن وطهران”، موضحاً أنه “لم يتم بعد التوصل إلى اتفاق يسمح بنقل الأموال”.
وقال بقائي إن “المفاوضات لتنفيذ الالتزام بالإفراج عن الأصول المجمدة لإيران تتقدم بشكل جيد. من المهم أن تكون لدينا حرية الوصول إلى هذه الأصول واستخدامها لشراء السلع التي نريدها كما نراه مناسباً، من أجل تلبية حاجاتنا”.
ونقل التقرير عن مصادر لقناة “الحدث” السعودية أن إيران ستتسلم 3 مليارات دولار من أموالها المجمدة بحلول نهاية الأسبوع، من دون أن يكون لهذا التقرير تأكيد من مصدر آخر. كما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أول من أمس، إنه بموجب الاتفاق مع الولايات المتحدة، ستُعاد إلى إيران 6 مليارات دولار من الأصول المجمدة.
وفي ما يتعلق بمضيق هرمز، أوضح التقرير أن الخلاف حول السيطرة على المضيق، الذي كانت تمر عبره قبل اندلاع الحرب نحو خمس إنتاج النفط العالمي، هو ما أدى إلى الضربات المتبادلة مطلع الأسبوع، وإلى تجميد المحادثات ونقلها إلى الدوحة.
وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، مساء أمس: “نرى في أحداث الليالي الأخيرة في الخليج الفارسي انتهاكاً لوقف إطلاق النار”. وأضاف أن “العبور من دون دفع في مضيق هرمز سيكون سارياً لمدة 60 يوماً فقط، وفقاً لمذكرة التفاهم”.
كما أشار التقرير إلى أن صحيفة “نيويورك تايمز” أفادت، أمس، بأن إيران وعُمان تدفعان في الوقت الحالي باتجاه خطط لفرض رسوم على السفن التي تعبر المضيق، رغم المعارضة الأميركية العلنية. ونُقل ذلك عن مسؤول إيراني و4 دبلوماسيين مطلعين على الملف.
وبحسب “نيويورك تايمز”، قدمت عُمان أخيراً إلى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين اقتراحاً رسمياً، يتضمن خطة تدفع بموجبها شركات الشحن رسوماً لقاء استخدام المضيق. وقال شخص مطلع على موقف واشنطن إن فريق التفاوض الأميركي تسلم الاقتراح العُماني، ولديه ملاحظات يعتزم طرحها أمام المسؤولين العُمانيين.
وأكد الأنصاري أن قطر تتوسط بين الأطراف “لضمان سلامة الملاحة في المضيق، وترفض أي عمل أحادي الجانب يمس بحرية الملاحة”. في المقابل، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إن طهران “تدرك مسؤوليتها من ناحية إدارة مضيق هرمز ولا تحتاج إلى أي تدخل، وهذا هو سبب ردنا على كل العدوان الأميركي”.
وعند سؤال “ماذا عن لبنان؟”، لفت التقرير إلى أن إيران حاولت، منذ البداية، ربط إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة بإنهاء الحرب بين إسرائيل ولبنان. وقال قاليباف، أمس: “هناك التزام أميركي في مذكرة التفاهم بإنهاء الحرب في لبنان، وضمان سيادته، وإعادة أراضيه. ستُشكّل لجنة مشتركة بين الولايات المتحدة وإيران ولبنان لمراقبة إنهاء الحرب في لبنان. نحن نتابع هذا الأمر بجدية”.
وأضاف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية: “موقفنا واضح بشأن لبنان، ومن المهم لنا أن تلتزم أميركا بتعهداتها وأن تُجبر إسرائيل على وقف انتهاكاتها”.
وأرفق التقرير صورة لسفن في مضيق هرمز من تصوير سترينغر لـ”رويترز”، كما أشار إلى تقرير عن هجوم بطائرة من دون طيار في النبطية، مع تعليق مفاده أن إيران لن تتخلى عن مطلب إنهاء القتال في لبنان، في إشارة إلى هجوم للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وبين الأموال المجمدة، ورسوم هرمز، ووقف الحرب في لبنان، تبدو محادثات الدوحة أقل من مفاوضات مباشرة وأكثر من اختبار إرادات، حيث يحاول كل طرف تثبيت شروطه قبل الانتقال من مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي.

