كتب آلان سركيس في نداء الوطن
تسيطر الضبابية على الساحة اللبنانية نتيجة عدم قدرة الدولة اللبنانية حتى الساعة على السيطرة على الأرض. وما زال “حزب اللّه” يتصرّف كأنه الدولة، وإسرائيل من جهتها تردّ، ولبنان يقع في الوسط من دون أي أفق واضح لنهاية المعركة.
استطاعت الدولة اللبنانية بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطف الهدنة لمدّة 10 أيام من ثمّ توسّعت لتصبح ثلاثة أسابيع، لكن هذا الأمر لم يعجب “الحزب”، فالمنظمة الخارجة عن القانون كما صنفتها الحكومة اللبنانية، تريد إبقاء لبنان ورقة تفاوض بيد إيران، وهذه الأمنية أطاح بها ترامب وحزم السلطة اللبنانية بأن البلد ليس ورقة في جيب أحد ومن يفاوض عن لبنان هو الدولة فقط.
منذ سريان مفعول الهدنة، يحاول “الحزب” خربطتها، ويتمنى أن تنهار كي لا يمنح الدولة أيّ مكسب. بالتوازي مع تصعيد “حزب اللّه” عملياته، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جيشه بضرب مراكز وأهداف “حزب اللّه” بقوّة، وفعلًا منذ منتصف ليل السبت – الأحد صعّدت تل أبيب عملياتها.
وتحدث كلّ هذه التطوّرات وسط عدم توصّل الولايات المتحدة وإيران إلى أيّ تسوية تضمن حلّاً للحرب الدائرة وتؤدّي إلى السلام والاستقرار، ومع ارتفاع وتيرة المواجهة، يبقى الخوف مسيطرًا على الساحة اللبنانية حتى لو تمّ تمديد الهدنة ثلاثة أسابيع، فـ “حزب اللّه” يتحرّك وفق الأوامر الإيرانية وعندما تقتضي مصلحة طهران فتح الجبهة مجدّدًا، وبالتالي سيدفع هذا التحرّك الجيش الإسرائيليّ إلى الردّ.
لذا، ترتفع المخاوف داخل الدولة من عودة شبح الحرب، وستكون هذه المرّة أعنف. وتحوّل لبنان بفعل مساندة “حزب اللّه” إيران إلى أرض مواجهة إسرائيليّة – إيرانية، ولن تستطيع الدولة اللبنانية ضبط الوضع الحدودي، فهي غير قادرة على بسط سلطتها على العاصمة بيروت والضواحي، ولن تأخذ القرار بالوقوف بوجه “حزب اللّه”، إذ مضى أكثر من 50 يومًا على اعتبارها “حزب اللّه” منظمة خارجة عن القانون ولم تعتقل أيّ عنصر يطلق صواريخ وقذائف.
بعد كلام نتنياهو والغارات الإسرائيلية التي نُفّذت، سارع كلّ من بعبدا والمسؤولين إلى إجراء اتصالات دولية خصوصًا بواشنطن وذلك من أجل لجم التصعيد وعدم انفلات الوضع، وتواصلت الاتصالات طوال نهار أمس وشملت جهات عربية وأوروبية، فأيّ تطوّر للمواجهات يعني عودة لبنان إلى دائرة الحرب.
ورغم الوعود الأميركية والدولية بعدم تجدّد الحرب، ووعود الدولة اللبنانية بإجراء اللازم من أجل ضبط “حزب اللّه”، بقيت كلّ هذه الأمور كلامًا بكلام، فالدولة غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها، ودلّت التجارب السابقة على هذا الأمر، واشنطن تضبط إسرائيل إلى حدّ معيّن، وأي انفجار في الوضع بين أميركا وإيران سيجعل الأمور خارجة عن دائرة السيطرة، ولن يستطيع أحد ضبطها خصوصًا مع ارتفاع منسوب عودة الحرب.
وتشير المعلومات إلى أن الاتصالات اللبنانية مع واشنطن والدول الأوروبية والعربية وصلت إلى حدّ أخذ وعود باستمرار الهدنة في كلّ لبنان وعدم استهداف المدنيين ومؤسسات الدولة وتحييد العاصمة بيروت، من دون أن تصل إلى حدّ تحييد “حزب اللّه” عن الاستهداف إذا كان يقوم بأيّ عمل عسكري وأمني، وبالتالي سيكون الجنوب مسرحًا أساسيًّا للاستهداف مثلما حصل في الساعات الماضية ولا أمان لـ “حزب اللّه” في كلّ لبنان.
يتمنى “حزب اللّه” عودة المواجهات لكي تفشل مهمة الدولة اللبنانية، فهو ليس ضدّ التفاوض المباشر بل لأن الدولة تفاوض، فإذا فاوض هو أو فاوضت إيران فلا مشكلة عنده، لذلك يدخل لبنان أيامًا مصيريّة معطوفة على ما قد يحصل في إيران، وستبقى كلّ الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها.

