كشفت كواليس جديدة من المفاوضات الأميركية – الإيرانية أن الغارة التي نفذها الجيش الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت لم تؤدِّ إلى نسف المحادثات بين واشنطن وطهران كما كان متوقعاً، بل ساهمت، وفق رواية إسرائيلية، في تسريع التوصل إلى اتفاق إطار بين الطرفين، ودفع الإدارة الأميركية إلى بحث تقديم تسهيلات إضافية لإيران.
وبحسب تقرير للصحافي رونين بيرغمان في موقع “واينت” الإسرائيلي، شهدت الساعات التي أعقبت الغارة على الضاحية الجنوبية والتهديدات الإيرانية بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، تحركات مكثفة خلف الكواليس على أكثر من مسار تفاوضي، انتهت بإعلانات عن اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.
وأشار التقرير إلى أن التقديرات كانت ترجّح تنفيذ إيران هجوماً صاروخياً خلال ساعات المساء، وربما بالتزامن مع نشرات الأخبار التلفزيونية كما جرى في مناسبات سابقة. إلا أن عملية الإطلاق أُرجئت أكثر من مرة استجابةً لطلب مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ونقل التقرير عن مصادر مطلعة أن ترامب وجّه رسائل حازمة إلى طهران، مفادها أن أي هجوم إيراني سيؤدي حتماً إلى رد إسرائيلي ثم رد إيراني مضاد، ما سيقود إلى انهيار المفاوضات، مؤكداً أنه سيحمّل إيران مسؤولية إفشال المسار التفاوضي في حال وقوع ذلك.
وكشف التقرير أن الإيرانيين درسوا بالفعل تعليق إطلاق الصواريخ لفترة غير محددة، قبل أن يتخذوا قراراً نهائياً بذلك، بهدف منح فرصة للمساعي التي يقودها ترامب لاحتواء التوتر والوصول إلى اتفاق إطار خلال الليل، وهو ما تحقق لاحقاً. وأوضح أن قطر تولّت إدارة جهود الوساطة خلال الساعات الحاسمة الأخيرة.
ووفق المصادر نفسها، فإن الأزمة التي نشأت نتيجة الغارة الإسرائيلية على الضاحية دفعت ترامب إلى التفكير جدياً بمنح إيران حوافز إضافية ضمن آلية تنفيذ الاتفاق، من بينها رفع الحصار البحري المفروض على مضيق هرمز بشكل فوري، بدلاً من رفعه تدريجياً من الجانبين كما كان مطروحاً سابقاً.
وأضاف التقرير أن الرئيس الأميركي أعلن هذا التوجه، لكنه عاد بعد ساعة واحدة فقط وعدّل موقفه عقب إبلاغ الإيرانيين بأن التزاماتهم ستبدأ يوم الجمعة، ليقرر أن يبدأ رفع الحصار في التاريخ نفسه.
كما نقل التقرير عن المصادر أن ترامب كان يعتزم أيضاً تقديم تنازلات إضافية تتجاوز تلك التي وافقت عليها الولايات المتحدة مسبقاً في الاتفاق مع إيران، وذلك بهدف منع طهران من الرد على الضربة التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي السياق نفسه، نقل التقرير عن مصدر أمني قوله إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “ربما اعتقد أن مهاجمة الضاحية ستؤدي إلى تصعيد وتدهور الأوضاع وانهيار المفاوضات مع إيران، لكن ما حدث فعلياً كان العكس تماماً، إذ منح الهجوم دفعة كبيرة للاتفاق، ودفع ترامب إلى تحسين شروطه تجاه إيران، فيما أحرج نتنياهو علناً”.
وأشار المصدر إلى أن ترامب، الذي يدرك مخاطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع، بدا مستعداً لتعزيز التسهيلات المقدمة لإيران، مضيفاً أن الرئيس الأميركي كشف تفاصيل محادثته المحرجة مع نتنياهو مباشرة للصحافي باراك رافيد.
وكان موقع “أكسيوس” قد نقل عن ترامب حديثه عن تلك المكالمة، حيث قال إنه وبّخ نتنياهو بشدة وسأله: “ما الذي تفعله بحق الجحيم؟”. وأضاف الرئيس الأميركي: “لماذا كان على بيبي أن يشن الهجوم؟ كنت غاضباً جداً. أوضحت له ذلك. ليس لديه أي حس تقدير على الإطلاق”.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن ترامب طالب نتنياهو بعدم تنفيذ أي ضربات إضافية ضد حزب الله، خشية أن يؤدي ذلك إلى تعريض الاتفاق الآخذ بالتبلور مع إيران للخطر، في مشهد يعكس حجم التداخل بين الساحات اللبنانية والإقليمية في رسم ملامح التفاهمات الكبرى الجارية في المنطقة.

