قد تكون المفاجأة المقبلة في لبنان أن ينجو من حرب إقليمية كبرى، لكنه لا ينجو من تداعياتها.
بين انتخابات إسرائيلية قد تغيّر الوجوه من دون أن تبدّل السياسات، ومواجهة محتملة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، تتشكل معادلة شديدة التعقيد قد تضع لبنان أمام مرحلة جديدة من التوتر، عنوانها الأبرز هو التالي: لا حرب شاملة بالضرورة، لكن لا سلام يلوح في الأفق. وفعلياً، فإن هذا الأمر ثبّته الرئيس السابق للحزب “التقدمي الإشتراكي” وليد جنبلاط في حديثٍ صحفي يوم أمس، إذ رأى أن الاحتلال الإسرائيلي قد يطول في جنوب لبنان لعقود.
في قلب هذه المعادلة، يبرز سؤال أكثر حساسية: ماذا لو اندلعت حرب ضد إيران وقرر “حزب الله” عدم المشاركة فيها؟ وهل يشكل ذلك تحولاً في خياراته الاستراتيجية، أم مجرد قرار مرحلي لا يغيّر شيئاً في واقع السلاح والجبهة اللبنانية؟
تتجه الأنظار أولاً إلى إسرائيل، حيث لا يبدو أن احتمال خروج بنيامين نتنياهو من السلطة سيؤدي حكماً إلى تغيير السياسة العسكرية تجاه لبنان. على ما يبدو، فإنه ثمة توجهات إسرائيلية تعتبر أن التعامل مع الجبهة اللبنانية يرتبط باعتبارات أمنية تتجاوز هوية رئيس الحكومة في تل أبيب، ما يعني أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب قد يبقى مستمراً حتى في حال تبدلت موازين القوى السياسية في تل أبيب.
هذا الواقع يثير مخاوف من أن تتحول المرحلة الحالية إلى وضع طويل الأمد، تسعى خلاله إسرائيل إلى تكريس ترتيبات ميدانية جديدة، في مقابل استمرار غياب أي تسوية نهائية تعالج أسباب المواجهة.
غير أنَّ التحول الأخطر قد يأتي من خارج الحدود اللبنانية والإسرائيلية، وتحديداً من المواجهة المحتملة بين واشنطن وطهران. ففي الوقت الذي تتزايد فيه التساؤلات بشأن احتمال توجيه ضربات عسكرية جديدة إلى إيران، يبرزُ كلام لبناني وآخر خارجي عن إمكان بقاء حزب الله خارج أي مواجهة مقبلة، خلافاً لما قد توحي به طبيعة علاقته الاستراتيجية بطهران. لكن في المقابل، تأتي تقارير جديدة لتقول إن “الحزب” يتحضر لحرب جديدة، وآخر كلام في هذا الإطار هو ما نشرتهُ وكالة “رويترز”.
غير أن سيناريو عدم دخول “الحزب” في أي مواجهة، في حال تحققه، لا يعني بالضرورة أن الحزب اتخذ قراراً مستقلاً بالكامل عن إيران، أو أنه بات مستعداً للقبول بحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية.
فعلياً، قد يكون عدم التدخل نتيجة حسابات إيرانية تتعلق بالحفاظ على قدرات” الحزب” وتجنب توسيع المواجهة، وليس تعبيراً عن تحول جذري في موقعه العسكري والسياسي.
وهنا تبرز مفارقة فعلية أساسها أنّ حزب الله قد يمتنعُ عن خوض حرب لمساندة إيران، لكنه يواصل رفض التخلي عن سلاحه داخل لبنان. وعملياً، يزدادُ هذا الاحتمال تعقيداً مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب، الذي يشكل أحد أبرز العوامل التي يستند إليها الحزب في تبرير احتفاظه بقدراته العسكرية، ما يجعل الرهان على تغيير جذري في موقفه خلال المرحلة الراهنة محفوفاً بالعقبات.
وفي موازاة ذلك، يبرز عامل آخر يرتبط بمسارات الإمداد والحدود، إذ إن تشديد الرقابة على عمليات التهريب لا يعني بالضرورة إغلاق كل المنافذ أو إنهاء قدرة الحزب على إعادة تنظيم بنيته العسكرية. من دون أدنى شك، قد تدفع هذه القيود إلى اعتماد أساليب مختلفة في الحركة والانتشار، بما يسمح له بالتكيف مع الواقع الجديد من دون تغيير خياراته الأساسية، وهذا الأمر بات يبرزُ أكثر بعد ضبط شحنة ضهر البيدر والارتدادات الأمنية والقضائية التي تلت ما حصل.
وعليه، قد يجد لبنان نفسه أمام سنوات من المراوحة، تتواصل خلالها الضغوط العسكرية الإسرائيلية، فيما يحتفظ حزب الله بسلاحه، وتبقى التسويات السياسية والأمنية معلقة على تطورات إقليمية يصعب التنبؤ بمساراتها.
الأخطر أن استمرار الهدنة، حتى لو طال أمدها، لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب. في الواقع، فإن التهدئة التي لا تستند إلى تسوية واضحة قد تتحول إلى مجرد فاصل زمني بين مواجهتين، خصوصاً إذا بقيت أسباب التصعيد قائمة.
وبذلك، قد لا تكون المفاجأة المقبلة اندلاع حرب جديدة في لبنان، بل استمرار واقع الحرب من دون إعلانها، حتى لو تبدلت الحكومة الإسرائيلية أو اختار” حزب الله” عدم الانخراط في مواجهة دفاعاً عن إيران.
وفي ظل هذه المعادلة، يبقى السؤال المفتوح: هل تقود التحولات الإقليمية المقبلة إلى تسوية تنهي المواجهة على الجبهة اللبنانية، أم أنها ستمنح الصراع أسباباً جديدة للاستمرار سنوات أخرى؟

