نجح لويس إيناسيو لولا دا سيلفا مجدداً في ما بدا مستحيلاً، إذ قلب خلال ثلاثة أسابيع هزيمته في الجولة الأولى إلى فوز في الجولة الثانية، ليُعاد انتخابه رئيساً للبرازيل، في إنجاز لافت لرجل كان قد خسر ثلاث محاولات قبل فوزه الأول بالرئاسة عام 2002.
ويخالف لولا (80 عاماً) بفوزه موجة الانتصارات الانتخابية لقادة يمينيين في أميركا اللاتينية تتماهى سياساتهم مع سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما كان قد أصبح عام 2003 أول رئيس يساري للبرازيل منذ نحو نصف قرن.
من الفقر إلى النقابات
وشكّل فوز لولا الأول ختام رحلة غير مسبوقة من الفقر، فهو ابن عائلة فلاحين فقيرة أمية، عمل في طفولته بائعاً للفول السوداني وماسحاً للأحذية، ولم يتعلم القراءة إلا في العاشرة. ثم تدرّب ليصبح عامل معادن في مدينة صناعية قرب ساو باولو، حيث فقد خنصر يده اليسرى في حادث عمل خلال الستينيات.
ولم يكن لولا مهتماً بالسياسة في البداية، لكنه انخرط في العمل النقابي، وانتُخب عام 1975 رئيساً لنقابة عمال المعادن التي تضم 100 ألف عضو، فحوّل النقابات من منظمات موالية للحكومة إلى حركة مستقلة قوية. وفي عام 1980، أسس مع نقابيين ومثقفين وتروتسكيين وناشطين كنسيين “حزب العمال”، أول حزب اشتراكي كبير في تاريخ البلاد، والذي استبدل تدريجياً التزامه الثوري ببرنامج اشتراكي ديمقراطي أكثر براغماتية.
ولايتان ناجحتان
ووصل لولا إلى الحكم متعهداً
القضاء على الجوع، وضخّ خلال ولايتيه مليارات الدولارات في البرامج الاجتماعية، ورفع الحد الأدنى للأجور بما يفوق التضخم، ووسّع برنامج “بولسا فاميليا” للمساعدات العائلية، ما ساعد نحو 44 مليون شخص ورسّخ شعبيته بين الفقراء، وإن رأى منتقدون أن البرنامج لم يعالج الجذور البنيوية للفقر كضعف التعليم.
وغادر الحكم بعد ولايتين، بين كانون الثاني 2003 وكانون الأول 2010، بنسبة تأييد استثنائية بلغت 83%، بعدما عزز مكانة البرازيل دولياً وأشرف على أطول فترة نمو اقتصادي منذ ثلاثة عقود. وبعد وقت قصير من مغادرته الرئاسة، شُخّصت إصابته بسرطان الحلق، وأعلن الأطباء شفاءه عام 2012.
الإدانة والسجن
وفي عهد خليفته، تراجع الزخم وانزلق الاقتصاد إلى الركود، فيما هزّ التحقيق الواسع في الفساد المعروف بعملية “غسيل السيارات” المشهد السياسي. وطال التحقيق لولا، الذي أُدين في تموز 2017 بتلقي شقة على البحر رشوة من شركة الهندسة “أو إيه إس”، وحُكم عليه بالسجن أكثر من تسع سنوات، رُفعت في الاستئناف إلى 12 عاماً. كما صدر بحقه حكم بالسجن 12 عاماً و11 شهراً بتهمتَي الفساد وغسل الأموال في قضية أخرى. وظل لولا يؤكد براءته، معتبراً أن الاتهامات ذات دوافع سياسية.
وأُفرج عنه عام 2019 بعد أكثر من 18 شهراً في السجن، إثر حكم للمحكمة العليا اعتبر سجنه غير قانوني لحصوله قبل استنفاد مراحل الاستئناف، ثم أُلغيت الأحكام عام 2021، ليترشح عام 2022 ويهزم اليميني جاير بولسونارو.
وعند عودته إلى الحكم عام 2023، تعهّد بأن تكون ولايته الأخيرة، لكن حزبه رشّحه مجدداً هذا العام، رغم أنه سيبلغ 81 عاماً الثلاثاء. ويقرّ حتى مؤيدو الحزب بأن إنجازاته في ولايتيه الأوليين فاقت ما حققه في السنوات الأربع الأخيرة.
الأمازون والنفط
وفي حين وصفه أنصاره قبل انتخابات 2022 بـ”منقذ الأمازون”، انتقد بعض المدافعين عن البيئة دعمه للتنقيب الاستكشافي عن النفط في المياه البحرية قرب مصب نهر الأمازون. ويؤكد لولا التزامه بالتخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري، معتبراً أن عائدات النفط أساسية لتمويل انتقال البرازيل إلى الطاقة النظيفة، فيما تستند حكومته إلى بيانات الأقمار الاصطناعية التي تُظهر تراجع مساحة إزالة الغابات في الأمازون خلال النصف الأول من 2026 إلى أدنى مستوى منذ عقد.
العلاقة مع ترامب
وتزامنت ولاية لولا الثالثة مع عودة ترامب إلى الحكم، ولم يتردد الرجلان في إعلان خلافاتهما. وكان لولا قد قال لهيئة الإذاعة البريطانية في أيلول 2025 إنه لا تربطه أي علاقة بترامب، بعدما فرض الأخير في تموز من ذلك العام رسوماً جمركية بنسبة 50% على السلع البرازيلية، رغم الفائض التجاري الأميركي مع البرازيل، مستنداً إلى محاكمة بولسونارو بتهم الانقلاب. ويقضي بولسونارو حكماً بالسجن 27 عاماً، فيما كان نجله فلافيو هو من هزمه لولا في الجولة الثانية الأحد.
واتهم لولا ترامب بالتدخل الخارجي، قائلاً إنه “ليس إمبراطور العالم”، لكن العلاقة تحسنت بعد لقاء في البيت الأبيض في أيار الماضي، تبادل بعده الرئيسان عبارات الإطراء. غير أن الولايات المتحدة فرضت في تموز رسوماً بنسبة 25% على معظم السلع البرازيلية، ولا يزال البلدان مختلفين في ملفات أساسية كالجريمة والتجارة. ورداً على ما يسميه ترامب “عقيدة دونرو” لتأكيد الهيمنة الأميركية على النصف الغربي من الكرة الأرضية، شدد لولا على أن “البرازيل لا تندرج في الحديقة الخلفية لأحد”.
روسيا والصين
وينتقد لولا امتلاك الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي حق النقض، معتبراً أن ذلك يميل لمصلحة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية ويستبعد دولاً تمثل مليارات البشر. كما تُعدّ البرازيل عضواً فاعلاً في مجموعة “بريكس” التي تضم روسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، ويرى فيها لولا ثقلاً موازناً ناشئاً للغرب، وقد دافع عن مواصلة شراء النفط الروسي رغم الحرب في أوكرانيا. (BBC News)

