في حكم يسلّط الضوء على أهمية الصياغة القانونية للمراسلات المهنية، قضت محكمة العمل في تل أبيب بأن محامية كتبت لصاحب مكتبها أنها تعتبر تجاهله لها بمثابة فصل من العمل، تُعامل قانونيًا على أنها استقالت، بعدما لم تثبت أنها تراجعت بوضوح وصراحة عن رسالتها. وبنتيجة الحكم، حُرمت من تعويضات الصرف ودفع بدل الإنذار المسبق والتعويض عن الفصل من دون جلسة استماع، لكنها حصلت على نحو 33 ألف شيكل عن مستحقات مالية أخرى.
وبحسب تقرير للصحافي عوزي غيرستمان في “القناة 12” الإسرائيلية، بدأت المحامية نوريت هيربست العمل في تموز 2020 في مكتب المحامي حاي بر إيل، المتخصص، من بين أمور أخرى، في قانون العمل، والذي يرأس جمعية “أوغان” التي أُنشئت لمكافحة الفساد وحماية كاشفيه.
وفي تلك الفترة، كان بر إيل منشغلًا بإجراءات جنائية على خلفية حادث سير أدى إلى وفاة امرأة كانت تعبر الطريق. وفي كانون الأول 2023، حُكم عليه بالسجن الفعلي لمدة 12 شهرًا. وخلال تلك المرحلة، كانت هيربست المحامية الوحيدة في المكتب، وكانت تتولى إدارته عمليًا بمفردها.
وبدأ الخلاف بين الطرفين على خلفية أموال لم تُحوّل إلى صندوق التقاعد الخاص بها. ففي أيار 2023، اكتشف وكيل التقاعد نقصًا في المساهمات المستحقة، وفي نهاية تشرين الأول، أبلغ بر إيل بأن هيربست “لم تعد مؤمّنة” ضد العجز ولصالح الورثة. وأقرّ بر إيل أمام المحكمة بأنه اعتقد أن الأمر مجرد إنذار كاذب آخر، قائلًا: “في النهاية جاء الذئب وافترسها”.
وفي 6 تشرين الثاني 2023، أرسلت هيربست، التي كانت مريضة ومحبطَة، رسالة إلكترونية إلى بر إيل كتبت فيها: “بما أنني لم أتلقَّ منك أي رد… فإنني أعتبر تجاهلك المتعمد بمثابة فصل من العمل بكل معنى الكلمة”.
وفي اليوم التالي، ردّ عليها برسالة مهذبة قال فيها: “لا مشكلة يا نوريت، أولًا أتمنى لك الشفاء. وعندما تتعافين، أنا واثق من أنك ستمنحيننا إشعارًا مسبقًا وتنقلين الملفات الموجودة على مكتبك بصورة منظمة”. وأضاف أنه لا ينوي الدخول في جدال معها بشأن ما إذا كانت قد فُصلت أم استقالت.
لكن هيربست واصلت العمل، واستمرت الرواتب في الوصول إليها. وفي كانون الأول وكانون الثاني، عقد الطرفان اجتماعين، اقترح خلالهما بر إيل أن تعمل وفق نظام الساعات، أو بصفتها مستقلة، أو حتى شريكة في بعض الملفات. إلا أنها رفضت، وكتبت في إفادتها أنها قالت له إنه “لا توجد أي فرصة”، لأنها أم لثلاث بنات صغيرات وتحتاج إلى راتب ثابت.
وبحسب رواية بر إيل، اتفق الطرفان خلال اجتماع في 11 كانون الثاني 2024 على إنهاء العمل بعد شهر، أي في 11 شباط. لكن بر إيل أرسل إليها في 25 شباط رسالة إلكترونية أبلغها فيها بأن العلاقة المهنية انتهت قبل أسبوعين. وفي صباح اليوم التالي، اكتشفت هيربست أن دخولها إلى أجهزة الكمبيوتر في المكتب قد حُظر.
وكتبت له: “اكتشفت هذا الصباح… أنك فصلتني، من دون إشعار مسبق ومن دون رسالة، وبالطبع من دون جلسة استماع”. وفي أيار 2024، رفعت دعوى قضائية طالبت فيها بنحو 210 آلاف شيكل.
ورفضت المحكمة رواية هيربست. فقد اعتبرت رئيسة المحكمة رافيت تْساديك وممثلا الجمهور أبراهام كامنسكي وداليا كوتاي أن الموظف الذي يستقيل في لحظة غضب يمكنه التراجع عن قراره، لكنه ملزم بفعل ذلك بوضوح وصراحة وخلال فترة زمنية معقولة.
وقررت المحكمة أن الرسالة كُتبت بالفعل “في لحظة غضب وإحباط”، لكن هيربست لم تثبت أنها تراجعت عنها “بشكل واضح وصريح”. وعندما سُئلت خلال شهادتها عن مكان الرسالة التي تراجعت فيها عن الاستقالة، أجابت: “لم يكن عليّ ذلك… لأنه دعاني إلى اجتماع وواصلنا العمل كالمعتاد”.
لكن المحكمة لم تقبل هذا التفسير، ولا سيما بالنظر إلى مهنتها، إذ أشارت إلى أنها “محامية تعمل أيضًا في مجال قانون العمل، ومن المفترض أنها على دراية بمتطلبات القانون والاجتهادات القضائية”. وأضافت أن الموظف لا يستطيع أن يملي على صاحب العمل شروطًا، ثم يعتبر نفسه مفصولًا إذا لم ينفذها.
ووفق الحكم، فإن الأشهر الثلاثة والنصف التي واصلت خلالها هيربست العمل بعد إرسال الرسالة اعتُبرت فترة إنذار مسبق امتدت مرارًا، بسبب مرضها والمفاوضات بشأن استمرار العمل ووجود ملف كان لا بد من إنهائه. وبناءً على ذلك، رُفضت مطالبها بالحصول على تعويضات الصرف وبدل الإنذار المسبق والتعويض عن الفصل من دون جلسة استماع.
لكن صاحب المكتب لم يخرج من القضية من دون مسؤولية. فقد رفضت المحكمة أيضًا بعض ادعاءات بر إيل، الذي قال في إفادته إنه اكتشف لاحقًا أن هيربست كانت تعمل بنسبة تقل عن 5% من دوام كامل. غير أن المحكمة رفضت هذا الادعاء، من بين أسباب أخرى، لأن تقارير مواقف السيارات التي قدمها لم تدعمها شهادة الشخص الذي أعدّها.
وخلصت المحكمة إلى أن هيربست كانت تعمل بنسبة 60% من دوام كامل، وفق الحسابات التي أجراها بر إيل نفسه في حينه.
كما قررت المحكمة أنه لا يحق لبر إيل اعتبار علاقة العمل منتهية في 11 شباط بأثر رجعي، لأن هيربست واصلت العمل فعليًا حتى 25 شباط، ما يمنحها الحق في تقاضي أجر الأسبوعين الإضافيين.
وأظهرت القضية أيضًا أن بر إيل اقتطع من رصيد إجازتها 3 أيام “بشكل غير قانوني”. وأقرّ خلال شهادته بأنه لم يكن يعرف عدد أيام الإجازة التي كان ينبغي اقتطاعها منها.
وحصلت هيربست كذلك على تعويض عن تسلّمها إشعار شروط العمل بعد نحو عامين من بدء عملها. إلا أن المحكمة خفّضت قيمة التعويض لأنها هي نفسها كانت قد صاغت المسودة الأولى للإشعار.
إضافة إلى ذلك، لم يثبت بر إيل أنه سلّمها كشوف الرواتب منذ أيلول 2022، كما كانت وزارة العمل قد وجهت إليه إنذارًا إداريًا بشأن هذه المسألة.
وفي المحصلة، ألزمت المحكمة بر إيل بدفع نحو 33,170 شيكلًا لهيربست، إضافة إلى الفائدة اعتبارًا من 1 آذار 2024. ويشمل المبلغ 20,792 شيكلًا بدل رصيد الإجازات، و7,676 شيكلًا فروقات في الأجور، و3,000 شيكل عن كشوف الرواتب، و1,500 شيكل عن الإشعار بشروط العمل، و202 شيكل بدل نفقات التنقل.
كما أُلزم بدفع 3,000 شيكل إضافية لتغطية نفقات التقاضي، في حين رُفضت بقية مطالب الدعوى، بما فيها بدل النقاهة وثلث أتعاب محاماة مستحقة من أحد العملاء.
ومثّل بر إيل المحامي عميت غورفيتش، فيما تولّت هيربست الدفاع عن نفسها.
ويبرز الحكم أهمية التمييز بين إعلان الموظف اعتباره مفصولًا وبين الاستقالة الفعلية وفق المعايير القانونية، كما يؤكد أن استمرار العمل بعد رسالة ملتبسة لا يُعدّ وحده دليلًا كافيًا على التراجع عنها، في حين تبقى حقوق الأجور والإجازات والمستحقات الأخرى خاضعة للتقييم بصورة مستقلة.

