كتب رماح هاشم في نداء الوطن
يدخل قطاع المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري مرحلة شديدة الصعوبة، في ظل استمرار انكماش القدرة الشرائية وتراكم الضغوط التضخمية وارتفاع كلفة التشغيل. فبعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والنقدية، بات الإنفاق الاستهلاكي أكثر ارتباطًا بالأولويات الأساسية، فيما تتراجع حصة القطاعات التي تُصنّف ضمن الإنفاق غير الضروري، وفي مقدّمها المطاعم والمقاهي وخدمات الدليفري.
لا يقتصر الضغط على المطاعم على تراجع الطلب، بل يمتد إلى قدرة المؤسسات نفسها على الاستمرار وتمويل عملياتها التشغيلية، في ظل ضعف السيولة وغياب التمويل المصرفي وتراجع هوامش الربح. وبين ضرورة الحفاظ على العمالة من جهة، وارتفاع كلفة الأجور من جهة أخرى، تجد المؤسسات نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فيما لم يعد الموسم السياحي، وفق المعطيات التي يعرضها القطاع، كافيًا لتعويض التراجع المسجّل خلال العام. وبينما تتراجع القدرة الشرائية محليًا، يتأثر أيضًا إنفاق المغتربين بأوضاع اقتصادية صعبة في دول الإقامة، ما يضيّق هامش التعويل على السياحة والإنفاق الخارجي.
القطاع أمام أسوأ مراحل الركود
يصف نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري طوني الرامي المرحلة الحالية بأنها من أسوأ “المراحل التي مرّ بها القطاع منذ نحو 20 عامًا”، مشيرًا لـ “نداء الوطن”، إلى أن “القطاع يعيش حالة ركود وانكماش واضحة، في ظل فقدان القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين”.
ويشرح الرامي أن “الوضع اليوم هو ركود وانكماش وقدرة شرائية مفقودة منذ 20 عامًا، وهذه أسوأ مرحلة نمرّ بها”. ويلفت إلى أن “عاملا نفسيًا أصاب الفقير والغني على حد سواء”، بالتوازي مع تراجع القدرة الشرائية لدى الطبقة الوسطى التي يعتبرها “دينامو ومحرك الاقتصاد”.
ويؤكد أن “العامل النفسي بات يلعب دورًا أساسيًا في حركة الأسواق”، قائلا: “ليس هناك من مزاج للصرف، والملخّص المفيد هو أن القدرة الشرائية لم تعد متوفرة، لا للمطعم ولا للمقهى ولا حتى للدليفري”. ويشير إلى أن “القطاع يلمس بوضوح هذا التراجع من خلال انخفاض عدد طلبات الدليفري وتراجع قيمة الفاتورة في آن واحد”.
تراكم الأزمات يرفع كلفة التشغيل
يربط الرامي الواقع الحالي بتراكم الأزمات الاقتصادية والمالية والمعيشية، إضافة إلى التطورات في الخليج وأزمة الغلاء والتضخم، موضحاً أن طبيعة الاقتصاد اللبناني تجعله شديد التأثر بالأسعار العالمية.
ويقول إن “لبنان يأكل نحو 80 % من بضاعته مستوردة، وبالتالي فإن الاقتصاد اللبناني يستورد جزءًا من التضخم العالمي من خلال مشترياته الخارجية. وفي موازاة ذلك، ارتفعت الكلفة التشغيلية على المؤسسات من مختلف الجوانب، ولا سيما كلفة الطاقة”.
ويشير إلى أن الأعباء لم تعد تقتصر على بند واحد، بل تشمل “صيانة المولد والمازوت والغاز ومشتريات المياه وتكريرها”، ما يرفع الكلفة الإجمالية لتشغيل المؤسسات ويضغط بصورة مباشرة على قدرتها على الاستمرار.
ويحذّر الرامي من أن استمرار هذه المعادلة بالوتيرة نفسها سيؤدي إلى إقفال مزيد من المؤسسات، قائلا: “لا قدرة على الاستمرارية بهذا الوضع، وسنبدأ برؤية المؤسسات تقفل واحدة تلو الأخرى إذا استمر الوضع كما هو”.
مؤسسات بلا ملاءة ولا تمويل
ولا يرى الرامي أن المشكلة تكمن في ارتفاع المصاريف فقط، بل في غياب الأدوات المالية التي تسمح للمؤسسات بمواجهة هذه الضغوط. ويؤكد أن “«لا ملاءة في الشركات، ولا مخزون، ولا مصارف”، مشيرًا إلى أن “صاحب المؤسسة لم يعد قادرًا حتى على اللجوء إلى أمواله الخاصة لتغطية حاجاته التشغيلية”.
ويصف واقع القطاع بالقول: “أصبحنا متروكين في الصحراء، ولا توجد أي خطة تحفيزية من الحكومة للقطاع الخاص”. ويحذّر من أن النتيجة المباشرة لهذا الواقع ستكون مزيدًا من الإقفالات، متوقعاً “إقفال مؤسسات بالعشرات في المدى القريب” إذا لم يحصل تغيير في الظروف القائمة.
ولا يقتصر الأمر، بحسب الرامي، على السوق اللبنانية، إذ إن التعويل على اللبنانيين والمغتربين في دول الخليج لم يعد مضمونًا كما في السابق، باعتبار أن “مجموعتنا في الخليج أيضاً في أزمة”.
معادلة الأجور: المؤسسة أم العامل؟
وفي ملف اليد العاملة، يلفت الرامي إلى أن “القطاع يجد نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة، إذ لا يمكن تجاهل الحاجة إلى رفع الأجور في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، لكن زيادة الأجور في الظروف الحالية قد تضع المؤسسات أمام أعباء إضافية لا تستطيع تحمّلها”.
ويقول: «”في موضوع اليد العاملة، ليس لدينا خيار. المفروض أن نرفع المعاشات، لكن إذا رفعنا المعاشات ستنقلب المؤسسات على الأرض”. ويضيف: “من جهة نريد أن نحافظ على المؤسسة، ومن جهة أخرى نريد أن نحافظ على العمال. الوضع مزرٍ جدًا جدًا”.
أما على مستوى النشاط، فيكشف الرامي أن “القطاع يسجل تراجعًا بنسبة 40 % مقارنة بالأشهر الستة الأولى”، مشيرًا إلى أن “الآمال كانت معلّقة على الموسم السياحي لتعويض جزء من الخسائر”.
ويقول إن “الموسم اشتغل 30 يومًا، وهذا لا يكفي”، خصوصًا أن النشاط خلال هذه الفترة جرى في ظل قدرة شرائية متدنية جدًا. كما يوضح أن “المغترب، سواء أتى من الخليج أو أوروبا، لم يعد يتمتع بالقدرة الشرائية نفسها التي كان يتمتع بها سابقًا، نتيجة الضغوط الاقتصادية في دول الإقامة”.
ويشرح أن “المغترب، إن كان آتيًا من الخليج أو أوروبا، قدرته الشرائية محدودة، نظرًا إلى أزمته، ففي أوروبا هناك غلاء معيشة، وفي الخليج حالته الاقتصادية متعبة”.
الدليفري يتحوّل من خدمة يومية إلى كمالية
ويبرز التراجع بصورة أوضح في قطاع الدليفري، حيث يقدّر الرامي أن “عدد الطلبات انخفض بنحو 50 %، في مؤشر مباشر إلى تغير سلوك المستهلك اللبناني”.
ويشير إلى أن المطاعم نفسها “أصبحت من الكماليات”، ولم يعد الدليفري بمنأى عن هذا التحول، إذ بات المستهلك أكثر ميلا إلى تقليص هذا النوع من الإنفاق، وصولا إلى تفضيل إعداد الطعام في المنزل.
ويختصر الرامي هذا التحول بالقول إن “عدد طلبات الدليفري تدنى حوالي 50 %”، مضيفًا أن “المطاعم أصبحت من الكماليات، والدليفري أيضًا، وصار الزبون يفضّل السندويش في البيت”.
يقف قطاع المطاعم اليوم أمام معادلة اقتصادية ضاغطة تجمع بين تراجع الطلب وارتفاع كلفة التشغيل وضعف السيولة وغياب التمويل، فيما لم يعد الموسم السياحي أو إنفاق المغتربين قادرين وحدهما على سد الفجوة. ومع استمرار تقلص القدرة الشرائية، يصبح هامش المناورة أمام المؤسسات أضيق، خصوصًا أن أي زيادة إضافية في الأجور أو المصاريف التشغيلية قد تصطدم بقدرتها المحدودة على الاستمرار.

