كتبت الين بركات في موقع Jnews Lebanon
سجل معدل التضخم في لبنان لشهر آب 2026 نسبة لامست ١٦٫٦٦٪، في مؤشر رقمي جديد يعكس عمق الأزمة المعيشية المستمرة. غير أن قراءة هذا الرقم بمنظور تقليدي يختزله في “ارتفاع الكلفة” وحدها باتت قراءة ناقصة ولا تفسر بدقة ما يجري داخل مفاصل الاقتصاد اليومي. فالمشكلة في السوق اللبنانية لم تعد مرتبطة فقط بغلاء أجور الشحن، والطاقة، والتأمين، بل تجاوزتها لتضرب هيكل السوق نفسها: تركيز، احتكار، وشبه احتكار يمنح اللاعبين الكبار قدرة مطلقة على تمرير كامل الزيادة إلى المستهلك.
صدمات قطاعية حادة.. والأرقام تتحدث
عند تفكيك أرقام تضخم آب الماضي، تبرز زيادات قياسية في القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطن المباشرة وتؤثر على عصب الحركة الاقتصادية:
- التعليم: قفز بنسبة ٣٥٫٧٢٪.
- الطاقة والمياه والغاز والمحروقات: صعدت بنسبة ٣٢٫٠٦٪.
- النقل: سجل ارتفاعاً بـ ٣١٫٧٢٪.
- الغذاء: زاد بنسبة ١١٫٦٥٪.
هذه الصدمات تعكس بالطبع ضغوطاً حقيقية في كلف التشغيل العالمية والمحلية، لكنها وحدها لا تفسر التباين في سرعة انتقال الزيادة السعرية واستقرار الهوامش على حساب القدرة الشرائية المتآكلة للمواطن.
هيكلية الأسواق: عندما تتحول السيطرة إلى تضخم
تعطي الأرقام المتعلقة ببنية السوق اللبنانية الصورة الأوضح والأكثر إزعاجاً. وفقاً لبيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، فإن نحو ٥٢٪ من الأسواق اللبنانية تتميز بنسبة تركيز تبلغ فيها حصة أكبر خمس مؤسسات ٦٠٪ أو أكثر، وهي أسواق تمثل بدورها نحو ٣٦٪ من قيمة المبيعات في العينة المدروسة.
في اقتصاد تحكمه قطاعات بهذا المستوى العالي من التركيز، يتحول شبه الاحتكار إلى عامل تضخمي بحد ذاته. وغياب المنافسة الحقيقية، إلى جانب حواجز الدخول المرتفعة أمام المستثمرين الجدد، يمنحان اللاعب المسيطر قدرة فائقة على أمرين أساسيين:
- تمرير ارتفاع الكلفة إلى السعر النهائي بسرعة قياسية.
- الحفاظ على مستويات الأسعار المرتفعة عندما تنخفض الكلفة، متجاهلين آليات السوق الطبيعية التي تفرض عادةً تصحيحاً سعرياً هبوطياً.
المستهلك يدفع الفاتورة كاملة
إن ما يُميّز التضخم اللبناني في عام 2026 هو غياب الضغوط التنافسية الكافية لإجبار حلقات السوق المختلفة (المنتج، الموزع، والتاجر) على امتصاص جزء من الصدمة عبر تقليص هوامش ربحها. وبدلاً من توزيع وزر الأزمة على جميع الشركاء في دورة الإنتاج، تسمح الأسواق المركزة بتحويل القسم الأكبر من الصدمة فوراً إلى المستهلك.
بل و الأسوأ من ذلك، هو استمرار ارتفاع الإيرادات الاسمية لبعض المؤسسات على الرغم من تراجع القوة الشرائية الحقيقية للمجتمع؛ فالأسعار الأعلى تعوض الشركات جزئياً عن الانخفاض الحاصل في الكميات المباعة، ليتحمل المواطن وحده ثمن بنية اقتصادية تحتضر فيها المنافسة الحرة.
لا بد من مقاربة مختلفة
إن معالجة الأرقام القياسية للتضخم في لبنان تتطلب اليوم أكثر من مجرد مراقبة نقدية أو مالية؛ إنها تستدعي تدخلاً بنيوياً لكسر الاحتكار، وتفعيل دور حماية المستهلك وهيئة المنافسة، ومنع الاستغلال التجاري للأسواق المركزة. فالتضخم في بلدنا ليس مجرد قصة كلفة مرتفعة، بل هو قصة سوق شديدة الاحتكار… وثمنه الباهظ يدفعه المواطن من لقمة عيشه.

