آلاف الأهداف اعتُرضت، ومئات ملايين الشواكل أُنفقت، لكن الدفاع الجوي الإسرائيلي لا يزال يواجه تحديات يصعب إخفاؤها، وخصوصاً أمام مسيّرات حزب الله والأهداف التي تحلّق على ارتفاع منخفض. هذا ما تكشفه شهادات لعسكريين إسرائيليين نشرتها صحيفة “إسرائيل هيوم”، أقرّوا فيها بأن منظوماتهم ليست محكمة، وأن المواجهة مع حزب الله تحوّلت إلى سباق يتعلّم فيه كل طرف أساليب الآخر.
وبحسب تقرير للصحافي ليدور سلطان، سجّلت كلّ من الكتيبة 137، التي تشغّل بطاريات “القبة الحديدية”، والكتيبة 136، التي تشغّل منظومة “حيتس”، “آلاف الاعتراضات” خلال 3 سنوات من الحرب. وتُقدَّر كلفة عمليات الاعتراض بمئات ملايين الشواكل لكل كتيبة، فيما تقول الوحدات المعنية إنها تواصل التعامل مع الأهداف التي تستدعي الاعتراض من دون تردد، رغم ما يُثار بشأن استنزاف الذخائر وكلفتها.
ومن داخل إحدى بطاريات “القبة الحديدية” في الشمال، روت جندية عُرّفت بالحرف “ن” لحظة وجدت فيها نفسها أمام هدف أطلقه حزب الله وكان متجهاً نحو منطقة قريبة من منزل عائلتها. وقالت إنها تقيم في الشمال وتخدم في الكتيبة 137 التي تتولى حماية المنطقة نفسها. وخلال إحدى مناوباتها، رصدت الوحدة هدفاً يُتوقع سقوطه قرب منزلها.
وأضافت: “حين تدركين أن الهدف يتجه إلى منطقة تعرفينها جيداً، وتعرفين مَن يعيش فيها، يصبح الأمر مقلقاً جداً”. وأوضحت أنها فكرت في منزلها وعائلتها ومعارفها الموجودين هناك، لكنها اضطرت إلى التركيز على المهمة: “فهمتُ أن عليّ أن أبذل أفضل ما لديّ لأحمي منزلي، بالمعنى الحرفي للكلمة. إذا لم أفعل، فالخطأ يقع عليّ”.
نجحت الجندية وزملاؤها في اعتراض الهدف، وفق ما أُبلغوا لاحقاً. لكنها قالت إن تأكيد الاعتراض لم يكن كافياً لمعرفة ما جرى على الأرض، إذ يبقى المشغّلون خلال مناوباتهم بعيدين عما يحدث خارج مواقعهم. لذلك اتصلت بمنزلها فور انتهاء المناوبة للاطمئنان إلى عائلتها.
وعن وتيرة العمل، قالت إنها شعرت في مرحلة معينة بأن الفواصل بين المناوبات أصبحت أقصر مع اشتداد الرشقات. وأشار زميل لها في الكتيبة، عُرّف بالحرف “ع”، إلى أنهم واجهوا على مدى شهرين رشقات واسعة من حزب الله. ووصف العلاقة بين المهاجمين ووحدات الاعتراض بأنها لعبة “القط والفأر”: “هم يحاولون تعلّم أساليبنا، ونحن نحاول تعلّم أساليبهم”.
وأوضح أن فهم طريقة إطلاق الهجمات يساعدهم على تحسين الاستجابة، سواء لجهة المناطق المستهدفة أو عدد المقذوفات أو ساعات الإطلاق. وقال إن المشغّلين لا يكتفون بمتابعة ما يظهر على شاشاتهم، بل يقدّرون مستوى التهديد ويتخذون قرارات الاعتراض في الوقت المناسب. وأكد، من وجهة نظره، قدرة وحدته الحالية على التعامل مع التهديدات التي تُطلق نحوها.
لكن هذه الثقة تقابلها تحديات عرضتها الصحيفة نفسها، وفي مقدمها الأهداف القريبة من سطح الأرض. فقد سأل الصحافي العسكريين عن هذا النوع من التهديدات وعن مقاطع نشرها حزب الله، صُوّرت بواسطة مسيّرات، وأظهرت عناصر في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية ومواقع قريبة منهم تحت التهديد.
وأقرّ الجندي “ع” بأن هذا المجال يمثّل تحدياً حديثاً نسبياً، وأن عناصر الدفاع الجوي يعرفون أنهم قد يتحوّلون هم أيضاً إلى أهداف. وأضاف: “نحن نعلم أن الدفاع ليس محكماً حتى بالنسبة إلينا”، مشيراً إلى اتخاذ إجراءات للحماية عند الحاجة، وإلى تطوير الأنظمة الإسرائيلية للتعامل مع المسيّرات والصواريخ. وقالت الجندية “ن” إن الخوف يراودهم أحياناً، كما يراود المدنيين، لأنهم يدركون أنهم ضمن دائرة الاستهداف.
وفي جانب آخر من التقرير، تحدثت مجنّدة في الكتيبة 136، عُرّفت بالحرف “س”، عن عمل منظومة “حيتس” المخصّصة لاعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية، داخل الغلاف الجوي وخارجه. وقالت إن الرشقات خلال المواجهات مع إيران كانت أكثر كثافة مما شهدته سابقاً، مضيفة: “الإيرانيون يتطورون بسرعة ويحاولون اختراق دفاعاتنا”. وأشارت إلى أن منظومات الدفاع المختلفة تعمل ضمن طبقات متكاملة لمواجهة هذه الهجمات.
وتبرز الكلفة المالية بوضوح في هذا النوع من الاعتراضات، إذ أوردت الصحيفة أن ثمن صاروخ اعتراض واحد من منظومتي “حيتس 2” أو “حيتس 3” يتراوح بين 2 و3 ملايين دولار. وفي ظل الحديث عن اقتصاد الذخائر بعد سنوات من الحرب، نقل التقرير عن عسكريين في الكتيبة قولهم: “نعترض كل هدف نرى ضرورة لاعتراضه، من دون تردد”.
غير أن كثافة الاعتراضات لا تعني منع جميع الإصابات. فعند سؤال العسكريين عن الضربات التي وصلت إلى العمق الإسرائيلي، ومنها الضربة التي طالت مستشفى سوروكا، قال الجندي “ع” إن الشعور يكون ثقيلاً عندما تقع إصابة، وأضاف: “نحاول تجنّب ذلك قدر الإمكان، لكن دفاعنا في النهاية ليس محكماً”. وأوضحت المجنّدة “س” أن كل عملية اعتراض تخضع للمراجعة، سواء نجحت أو فشلت، بهدف استخلاص الدروس.
وسيُمضي العسكريون الذين تحدثوا إلى الصحيفة عيد العُرُش في قواعدهم، ضمن إجراءات لتعزيز انتشار القوات خلال الأعياد. وبين أرقام الاعتراض القياسية والاعتراف بالثغرات، ترسم شهاداتهم صورة مواجهة مفتوحة لا تتوقف عند عدد الصواريخ التي أُسقطت، بل تشمل أيضاً قدرة كل طرف على تعديل أساليبه في الجولة التالية.

