تتساءل أوساط سياسية عمّا إذا كان ردّ المجلس الدستوري، بأكثرية سبعة أعضاء من أصل تسعة، الطعن المقدّم لإبطال قانون إخضاع المتعاقدين لشرعة التقاعد، يمكن أن يشكل مؤشراً إلى المسار الذي قد يسلكه المجلس في الطعن المقدّم من «التيار الوطني الحر» لإبطال قانون العفو العام.
ولا تتوقف المقارنة، وفق هذه الأوساط، عند كون الملفين أمام المرجعية الدستورية نفسها، بل تتصل أيضاً بالمنهج الذي يعتمده المجلس في مقاربة الطعون النيابية، ولا سيما عندما تكون الحجج المطروحة مرتبطة بأصول التشريع، وبحدود صلاحية مجلس النواب في تعديل النصوص خلال مراحل إقرارها.
ففي قرار شرعة التقاعد، الذي صدر في 22 أيلول بأكثرية 7 أعضاء من أصل 9، اعتبر المجلس أن إدخال الهيئة العامة لمجلس النواب تعديلات على دائرة المستفيدين، مقارنة بالصيغة التي كانت قد درستها اللجان النيابية المشتركة، لا يشكل بحد ذاته مخالفة دستورية تؤدي إلى إبطال القانون، مؤكداً أن مجلس النواب يملك صلاحية تبني المبادرات التشريعية وإدخال التعديلات عليها قبل إقرارها.
ومن هنا، تبدأ المقارنة التي تجريها الأوساط السياسية حول المدى الذي يمكن لهذا المنطق أن ينسحب، إذا توافرت عناصر مشابهة، على طعن «التيار الوطني الحر» في قانون العفو العام؟
لكن في المقابل، هناك فارق أساسي لا يمكن تجاهله. فالمجلس الدستوري لم يحسم بعد أساس الطعن بقانون العفو العام، وإن كان قد قرر في 10 أيلول وقف مفعول القانون رقم 70/2026 المتعلق بمنح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية، قبل أن يوضح رئيس المجلس القاضي طانيوس مشلب ردًا على التداول ببعض المعلومات عن صدور قرار نهائي أن الطعن لا يزال قيد الدرس. وهذا يعني أن مرحلة الانتظار لا تزال قائمة، وأن أي ربط مباشر بين القرارين سيكون سابقاً لأوانه.
إلا أن الأهم سياسياً هو ما إذا كان المجلس سيعتمد في ملف العفو العام المنهج نفسه الذي ظهر في قرار شرعة التقاعد، لناحية التمييز بين صلاحية المشرّع في اختيار السياسة التشريعية وبين وجود مخالفة دستورية واضحة في طريقة إقرار القانون أو في مضمونه.
ففي ملف شرعة التقاعد، لم يعتبر المجلس أن اختلاف الصيغة النهائية عن الصيغة التي ناقشتها اللجان النيابية كافياً وحده لإبطال القانون، بل بحث عن مخالفة دستورية محددة في أصول التشريع أو مضمونه. وهذه النقطة تحديداً قد تكون ذات أهمية في قراءة القرار المنتظر بشأن العفو العام، من دون أن تعني مسبقاً النتيجة التي سيتوصل إليها المجلس.
وبذلك، فإن السؤال المطروح في الأوساط السياسية ليس: هل سيرد المجلس طعن العفو العام؟ بل أن السؤال الأدق هو: هل سيحافظ المجلس في هذا الملف على المنهج الدستوري نفسه الذي اعتمده في طعن شرعة التقاعد، أم أن طبيعة قانون العفو العام والمواد التي يطاولها الطعن ستقوده إلى مقاربة مختلفة؟
وهنا تكمن أهمية القرار المنتظر. فالمجلس الدستوري كان قد اتخذ خطوة أولى بوقف مفعول قانون العفو، لكنه لم يحسم بعد دستوريته. وبالتالي، فإن الأنظار تتجه الآن إلى حيثيات القرار المقبل أكثر من اتجاهها إلى مجرد النتيجة.
وفي حال جاء القرار بالرد، ستصبح المقارنة مع طعن شرعة التقاعد أكثر حضوراً في النقاش السياسي. أما إذا انتهى إلى إبطال القانون كلياً أو جزئياً، فسيكون واضحاً أن المجلس تعامل مع الملفين وفق معايير دستورية مختلفة تكون قد فرضتها طبيعة كل قانون وأسباب الطعن فيه.
وفي الحالتين، يبقى العامل الحاسم هو حيثيات القرار لا عدد الأصوات وحده، لأن القيمة السياسية والقانونية لأي قرار دستوري تكمن في القاعدة التي يكرسها، وفي كيفية تفسيره لحدود سلطة المشرّع ومدى خضوعها للرقابة الدستورية.

