لم ينتهِ حفل الزفاف الذي أقيم في إحدى مناطق الضاحية الجنوبية كما جرت العادة، بل تحول خلال لحظات إلى مشهد من الذعر والفوضى بعدما دوى انفجار قنبلة يدوية بين المدعوين، مخلفاً عدداً من الجرحى، بينهم والدة العروس التي أصيبت إصابة بالغة في ساقها وخضعت لاحقاً لعملية جراحية.
وكشفت التحقيقات اللاحقة أن الحادثة لم تكن معزولة، بل سبقتها خلافات عائلية وتهديدات متكررة، ما دفع القضاء إلى إعادة فتح الملف بعد أشهر من وقوعها، لتنتهي النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان إلى الادعاء على المتهم ف. أ. بجرائم محاولة قتل المدعية ش. أ. وآخرين، وإلقاء قنبلة حربية والتهديد، وإحالته أمام قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر لإجراء التحقيقات الاستنطاقية واتخاذ المقتضى القانوني.
وبحسب التحقيقات، بدأت القضية بشكوى تقدمت بها ش. أ. أمام فصيلة الأوزاعي، أفادت فيها بأن المتهم، الذي كانت تربطه بابنتها علاقة عاطفية انتهت بخلافات، أقدم بتاريخ 9 أيلول 2025 على إلقاء قنبلة يدوية خلال حفل زفاف ابنتها، ما أدى إلى إصابتها في ساقها اليسرى وإصابة عدد من المدعوين بجروح متفاوتة استدعت نقلها إلى مستشفى الزهراء، حيث خضعت لعملية جراحية.
وأكدت المدعية أن المتهم كان قد هدد ابنها م. م. قبل يوم واحد من الزفاف بأنه سيرمي قنبلة يدوية داخل الحفل، وأن هذا التهديد كان موثقاً على هاتفه، مشيرة إلى أن خوفها وأفراد عائلتها من ردود فعله حال دون التقدم بشكوى مباشرة بعد وقوع الحادثة.
إلا أن أوراق الملف أظهرت أن التحقيقات الأولى التي باشرتها مفرزة الضاحية القضائية عقب الانفجار لم تتمكن من تحديد هوية الفاعل. وبعد التدقيق في المحضر المنظم بشأن إقدام مجهول على رمي قنبلة يدوية داخل حفل الزفاف، والذي أسفر عن إصابة عدد من الأشخاص، بينهم دلال علي الحج حسن، وغدير مصطفى الحلبي، وشريف محمد حنينة، وعبير أحمد الحج علي، والطفلة زينة حسين بجوق (مواليد 2014)، تواصل المحققون مع جميع المصابين، إلا أنهم أكدوا أنهم لا يشتبهون بأحد ولا يملكون أي معلومات تساعد في كشف هوية الفاعل.
كما بينت التحقيقات أن الاستقصاءات والتحريات التي أجرتها المفرزة لم تسفر عن أي نتيجة إيجابية، فأحيل الملف إلى مفرزة الضاحية القضائية لمتابعة التحقيقات، بناءً على إشارة المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي طارق بو نصار.
وخلال متابعة الملف، طلب المحققون من المدعية الحضور إلى مركز المفرزة للإدلاء بإفادتها، إلا أنها لم تحضر، كما تعذر التواصل معها لاحقاً بعدما تبين أن هاتفها مقفل، فتوقفت التحقيقات في تلك المرحلة من دون التوصل إلى معطيات جديدة.
غير أن الملف أعيد فتحه لاحقاً بإشارة من القاضي طارق بو نصار، فانتقلت دورية من المفرزة القضائية إلى فصيلة رأس بيروت، حيث جرى الاستماع مجدداً إلى إفادة الموقوف ف. أ. ومواجهته بالوقائع والمعطيات المستجدة، بالتزامن مع استكمال التحريات.
وفي إطار المتابعة، لم تتمكن المفرزة بداية من العثور على المدعية، فاتصل المحققون بابنها م. م. وطلبوا منه إبلاغ والدته بضرورة الحضور، بالتوازي مع مواصلة جمع الأدلة والقرائن المتعلقة بالحادثة.
وفي مرحلة لاحقة، تسلم المحققون من شقيقة الموقوف وحدة تخزين إلكترونية (USB) تضمنت تسجيلاً مصوراً تظهر فيه المدعية وهي تبرئ ذمة الموقوف من مسؤولية إلقاء القنبلة، إضافة إلى تسجيلات أخرى قال الموقوف إنها تثبت وجوده في مكان آخر ساعة وقوع الانفجار.
وعلى ضوء هذه المعطيات، أعيد استدعاء المدعية والاستماع إليها مجدداً، فأكدت أن إسقاط الحق الذي نظمته، وكذلك تسجيل الفيديو الذي ظهرت فيه وهي تبرئ ذمة الموقوف، لم يكونا صادرين عن إرادتها الحرة، بل حصلا تحت التهديد والإكراه، فعادت واتهمته مجدداً بالوقوف وراء إلقاء القنبلة.
وبعد الاطلاع على إفادة الموقوف، أعطى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر إشارته باستكمال التحقيق والاستماع إلى إفادة المدعية.
وخلال استجوابها، أكدت المدعية أن ما أدلى به الموقوف لا يمت إلى الحقيقة بصلة، موضحة أنه ألقى القنبلة على خلفية خلافات عائلية وتهديدات سابقة، ما أدى إلى إصابة عدد من الحاضرين، بينهم هي.
وأضافت أن أياً من المتضررين لم يتقدم بشكوى في حينه خوفاً من ردود فعل الموقوف، وأن إسقاط الحق الذي نظمته لاحقاً، وكذلك تسجيل الفيديو، تمّا تحت الضغط والوعيد وليس بإرادتها الحرة.
كما أوضحت أنها لم تتقدم بأي ادعاء بحق ع. أ. بجرمي التهديد وإطلاق النار، وأن ادعاءها يقتصر على ف. أ.، مشيرة إلى أنها ستبرز تقريراً طبياً يثبت دخولها إلى مستشفى الزهراء وخضوعها لعملية جراحية.
وأقرت بأنها لم تشاهد بعينيها الموقوف وهو يلقي القنبلة بسبب وقوع الحادثة ليلاً، ولا تعرف أي شاهد رأى الفاعل، إلا أنها أكدت اقتناعها بأنه المسؤول، استناداً إلى تهديده السابق لابنها بإلقاء قنبلة داخل حفل الزفاف.
في المقابل، أنكر الموقوف، بعد تلاوة حقوقه المنصوص عليها في المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، جميع الاتهامات المنسوبة إليه، معتبراً أن الادعاء بحقه “محض افتراء وتجني”.
وأكد أنه يملك دليلاً يثبت براءته يتمثل في تسجيل فيديو موثق بالساعة والدقيقة والتاريخ يظهر وجوده داخل محل للحلاقة لحظة وقوع الحادثة، برفقة شخص يدعى هـ. أ.، وأن كاميرات المراقبة توثق وجوده هناك.
كما نفى بصورة قاطعة أن يكون قد هدد ابن المدعية أو ألقى القنبلة اليدوية، مؤكداً أنه لم يكن موجوداً في مكان الاحتفال، وأنه مستعد لتحمل المسؤولية القانونية كاملة إذا ثبت خلاف ما أدلى به، مضيفاً أنه لا يعلم هوية الشخص الذي نفذ الاعتداء.
وفي ختام إفادتها، أعلنت المدعية اتخاذها صفة الادعاء الشخصي بحق ف. أ. وكل من يظهره التحقيق شريكاً أو محرضاً أو متدخلاً أو فاعلاً، معتبرة أن إلقاء القنبلة داخل حفل الزفاف شكل محاولة لقتل جميع الموجودين، مطالبة بتوقيفه، وإنزال أشد العقوبات القانونية بحقه، وإلزامه بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بها وببقية المصابين.
وبعد استكمال التحقيقات وجمع الإفادات ومواجهة رواية المدعية بإنكار الموقوف وما قدمه من تسجيلات قال إنها تثبت وجوده في مكان آخر ساعة وقوع الحادثة، انتهت النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان إلى الادعاء على ف. أ. بجرائم محاولة قتل المدعية ش. أ. وآخرين، وإلقاء قنبلة حربية والتهديد، وأحالت الملف إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر لاستكمال التحقيقات الاستنطاقية واتخاذ المقتضى القانوني.
