دان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب اللبناني، محذرًا من أن التفجيرات الضخمة التي نُفذت في منطقة الشقيف تمثل تصعيدًا بالغ الخطورة، من شأنه تهديد المسار الدبلوماسي الذي انطلق بموجب اتفاق الإطار.
وقال عون إن الاعتداءات الإسرائيلية، ولا سيما التفجيرات التي تستهدف البنى التحتية ومحيط المعالم الأثرية، تتسبب بأضرار جسيمة وتداعيات خطيرة تطال معظم قرى الجنوب، وتهدد سلامة المواطنين وأمنهم، فضلًا عن عرقلتها عودة الأهالي إلى بلداتهم واستئناف حياتهم الطبيعية.
واعتبر أن حجم التفجيرات التي شهدتها منطقة قلعة الشقيف فجر الجمعة لم يعد يُقاس فقط بأصدائها التي وصلت إلى مناطق بعيدة، بل بالموجات الأرضية التي أحدثتها وسجلتها جميع محطات الرصد الزلزالي في لبنان.
وكان مركز الجيوفيزياء التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية قد أعلن أنه سجّل عند الساعة 12:02 من فجر الجمعة في 31 تموز 2026 موجات أرضية ناجمة عن التفجير الإسرائيلي في منطقة الشقيف، موضحًا أنه يمكن تشبيه قوتها بهزة أرضية بلغت 3.8 درجات على مقياس ريختر.
وقال عون إن “التفجيرات الضخمة التي سُجلت اليوم في قلعة الشقيف، والتي أحدثت موجات أرضية تعادل هزة بقوة 3.8 درجات على مقياس ريختر، بحسب المركز الوطني للجيوفيزياء، تشكل تصعيدًا بالغ الخطورة وانتهاكًا فاضحًا للالتزامات القائمة”.
وأضاف أن هذه الاعتداءات تمثل “تهديدًا مباشرًا للمسار الذي انطلق بموجب اتفاق الإطار، والذي التزم لبنان تنفيذ موجباته”، في إشارة إلى الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في واشنطن في 26 حزيران 2026، برعاية أميركية.
وينص الاتفاق على بدء ترتيبات ميدانية تدريجية في مناطق تجريبية في الجنوب، تنسحب منها القوات الإسرائيلية، على أن ينتشر الجيش اللبناني فيها ويتولى تأمينها، تمهيدًا لعودة الأهالي وتوسيع العملية إلى مناطق إضافية.
وأشار رئيس الجمهورية إلى أن توقيت التفجيرات يحمل دلالات سلبية، إذ يأتي قبيل الجولة الجديدة من المحادثات المقررة في روما، والمخصصة لاستكمال البحث في تنفيذ إطار العمل الثلاثي وتوسيع المناطق التي ينتشر فيها الجيش اللبناني بعد الانسحاب الإسرائيلي.
ومن المقرر أن تُعقد الجولة المقبلة من المحادثات بين 4 و6 آب، على أن تركز الفرق التقنية على تنفيذ اتفاق الإطار، وتوسيع المناطق التجريبية، ومناقشة الانسحابات الإسرائيلية الإضافية والخلافات الحدودية البرية.
واعتبر عون أن استمرار الاعتداءات في هذه المرحلة يقوض الجهود الدولية الهادفة إلى تثبيت الاستقرار، ويضعف الثقة بالمسار التفاوضي، ولا سيما أن لبنان بدأ تنفيذ التزاماته من خلال انتشار الجيش في زوطر الغربية ومواكبة عودة الأهالي إلى البلدة.
ودعا الجهات الراعية للاتفاق والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم والتحرك لوضع حد للانتهاكات الإسرائيلية، محذرًا من أنها تهدد فرص إحراز تقدم دبلوماسي وتعيد الجنوب إلى أجواء التصعيد وعدم الاستقرار.
وكانت إسرائيل قد أعلنت أن التفجيرات استهدفت، بحسب روايتها، شبكة أنفاق تحت الأرض تابعة لحزب الله في مرتفعات الشقيف، مؤكدة أن العمليات خُطط لها بدقة وأن قلعة الشقيف لم تتعرض لأضرار.
بدورها، أعلنت وزارة الثقافة، عبر المديرية العامة للآثار، أن القلعة لم تتعرض للتدمير نتيجة التفجيرات التي نُفذت في المنطقة المقابلة لها، فيما يبقى تقييم الأضرار المحتملة في محيط الموقع والمنشآت الأثرية بحاجة إلى كشف ميداني وتقني شامل.
وتُعد قلعة الشقيف، المعروفة أيضًا بقلعة البوفور، من أبرز المواقع التاريخية في جنوب لبنان، وتعود أجزاء أساسية من بنائها إلى القرن الـ12، قبل أن تخضع لتوسعات وتعديلات خلال عهود تاريخية متعددة.
وللدقة، فإن القلعة ليست مدرجة حتى الآن على القائمة النهائية للتراث العالمي، بل أدرجها لبنان عام 2025 على اللائحة التمهيدية لليونسكو، ضمن ملف “قلاع جبل عامل” الذي يضم أيضًا قلاع تبنين وشقرا ودير كيفا وشمع.
ويأتي موقف عون في وقت تتصاعد فيه المخاوف اللبنانية من أن تتحول التفجيرات وعمليات النسف الإسرائيلية إلى عامل يعطل تنفيذ اتفاق الإطار، خصوصًا مع استمرار القصف وإحراق المنازل والأراضي والتحركات العسكرية داخل عدد من القرى الجنوبية.
وتضع هذه التطورات الجهات الراعية أمام اختبار مباشر: فإما أن تنجح في حماية المسار الذي أطلقته ودفع إسرائيل إلى وقف الاعتداءات وتنفيذ الانسحابات المتفق عليها، وإما أن تؤدي التفجيرات المتواصلة إلى تقويض الثقة بالاتفاق قبل انتقاله إلى مراحل أكثر تقدمًا.

