مع اقتراب انطلاق المرحلة الأولى مما يُعرف بـ”المناطق التجريبية” في عدد من القرى الجنوبية غير المحتلة، والتي يُفترض أن تبدأ خلال ساعات بحسب الأميركيين والإسرائيليين، يبرز سؤال يتقدم على كل الأسئلة العسكرية والسياسية: كيف سينفذ الجيش اللبناني مهمته عملياً؟ وهل تتحول المهمة إلى عمليات تفتيش واسعة للمنازل والملكيات الخاصة بحثاً عن السلاح، أم أن الأمر سيبقى ضمن حدود القانون اللبناني والآليات القضائية المعمول بها؟
في الواقع، لا يمكن مقاربة هذا الملف من زاوية أمنية بعيداً عن مسألة احترام السيادة اللبنانية والقانون الداخلي، بالتوازي مع تلبية الالتزامات التي يطالب بها الأميركيون والإسرائيليون في إطار تثبيت وقف إطلاق النار وتطبيق اتفاق الإطار. فالجيش اللبناني، من الناحية القانونية، لا يمتلك صلاحية مطلقة لدخول المنازل وتفتيشها لمجرد وجود شكوك أو معلومات عامة. فحرمة المنازل مصونة في الدستور اللبناني، وأصول المحاكمات الجزائية تشترط في الأصل وجود إذن من النيابة العامة أو القضاء المختص، أو توافر حالة جرم مشهود أو ظروف استثنائية يحددها القانون. وبالتالي، فإن أي عملية تفتيش واسعة وعشوائية للمنازل ستصطدم مباشرة بالمنظومة القانونية اللبنانية، قبل الشعبية، وستثير اعتراضات سياسية وشعبية كبيرة.
وهنا تبرز المعضلة الأساسية. فإذا كانت إسرائيل ستستمر في إرسال لوائح أو إحداثيات تقول إنها تتضمن مواقع أو منازل “مشبوهة”، فهل يصبح الجيش ملزماً بالدخول إلى كل منزل تشير إليه تل أبيب؟
الجواب القانوني المفترض هو لا. فالمعلومة الإسرائيلية، مهما بلغت دقتها، لا تتحول تلقائياً إلى دليل قضائي داخل لبنان، بل يُفترض أن تخضع لتقييم الأجهزة الأمنية اللبنانية، وأن تتوافر معطيات لبنانية تؤسس لطلب قضائي يسمح بالتفتيش إذا اقتضى الأمر. وإلا فإن القضاء سيكون أمام معضلة خطيرة تتمثل في منح شرعية قانونية لمداهمات تستند فقط إلى ادعاءات مصدرها دولة عدو.
أما عملياً، فمن المتوقع، بحسب مصادر مقربة من الجهة اللبنانية المفاوضة، أن تسعى الدولة اللبنانية إلى إيجاد صيغة وسطية، أي أن يتحرك الجيش بناءً على معلومات يجري التحقق منها لبنانياً، وأن يكون القضاء شريكاً في إصدار الأذونات عند الحاجة، حفاظاً على الغطاء القانوني والسياسي للعملية. لكن ذلك لا يلغي أن حجم الضغوط الأميركية والإسرائيلية قد يدفع باتجاه توسيع هامش الحركة الأمنية بصورة غير مسبوقة.
السؤال الأكثر حساسية هو: ما المتوقع أن يحدث بعد انتهاء عمليات الجيش؟ فإذا أعلن الجيش أنه فتش منطقة معينة ولم يجد سلاحاً، هل يُعتبر الملف منتهياً؟
هنا تدخل آلية التحقق التي تطالب بها إسرائيل والولايات المتحدة. فتل أبيب لا تريد الاكتفاء بتقارير الجيش اللبناني، بل تسعى إلى وجود منظومة تحقق تتيح التأكد من أن المنطقة أصبحت خالية من أي بنية عسكرية لحزب الله، وأنه لن يُعاد إدخال السلاح إليها لاحقاً. ومن هنا يأتي الحديث عن دور متزايد للجنة الإشراف على وقف إطلاق النار، وربما عن عمليات تحقق ميدانية تعتمد على صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والمعلومات الاستخبارية، وربما التدخل المباشر. وهذا يقود إلى الإشكالية الأخطر: فإذا قالت إسرائيل بعد أيام إن السلاح عاد إلى منزل سبق أن فتشه الجيش، فهل تُعاد المداهمة؟ وإذا تكرر الأمر عشرات المرات، فهل يتحول الجنوب إلى مساحة تفتيش دائمة؟ وهل يصبح الجيش عملياً ينفذ سلسلة عمليات بناءً على بنك أهداف إسرائيلي؟
هذه الأسئلة تمس مباشرة صورة الجيش أمام بيئته المحلية والوطنية. فالجيش مطالب بالحفاظ على الأمن الداخلي، لكنه في الوقت نفسه حريص على عدم الظهور كأنه يعمل وفق أجندة إسرائيلية. وفي المقابل، ترتبط هذه العملية كلها بملف الانسحاب الإسرائيلي. فلبنان الرسمي يعتبر أن أي ترتيبات أمنية يجب أن تترافق مع انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي التي لا تزال محتلة، أما تل أبيب فتتعامل مع الأمر بمنطق مختلف، إذ تربط أي انسحاب نهائي بإثبات نجاح التجربة الأمنية على الأرض، والتأكد من عدم عودة حزب الله إلى هذه المناطق.
وهذا يعني أن الانسحاب قد يتحول إلى ورقة ضغط دائمة. فكلما طالبت إسرائيل بمزيد من الضمانات، يمكنها تأجيل الانسحاب بحجة أن الظروف الأمنية لم تنضج بعد. وبالتالي، قد تجد الدولة اللبنانية أنه كلما قدمت خطوة أمنية، طُلبت منها خطوة إضافية قبل الحصول على الانسحاب.
لذلك، فإن “المناطق التجريبية” تشكل اختباراً سياسياً وقانونياً وسيادياً. فهي ستحدد طبيعة العلاقة بين الجيش والقضاء، وبين الدولة والمواطن، كما ستكشف ما إذا كان لبنان قادراً على فرض آلياته القانونية في تنفيذ التزاماته، أم أن الضغوط الخارجية ستفرض نموذجاً جديداً تصبح فيه المعلومات الإسرائيلية نقطة الانطلاق لأي تحرك أمني داخل الأراضي اللبنانية.

