خاص JNews Lebanon
شهدت العاصمة الأميركية واشنطن حدثاً ديبلوماسياً وتاريخياً هو الأبرز بحجم دلالاته منذ عقود، حيث وُقِّع رسمياً في مقر وزارة الخارجية الأميركية “الاتفاق الإطاري” المشترك بين لبنان وإسرائيل برعاية وعرّابة الولايات المتحدة، بعد جولة خامسة هي الأصعب والأعنف تفاوضياً استمرت أربعة أيام متتالية، وزجّ فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بكل ثقله لمنع انهيار الطاولة.
ومع أن هذا الاتفاق لا يرقى إلى مستوى معاهدة سلام أو اتفاق أمني ناجز، إلا أن إطاره العملي أحدث خرقاً هائلاً يعيد رسم التوازنات الميدانية، متزامناً مع سباق محموم على الأرض بين الديبلوماسية والنار في جنوب لبنان ومضيق هرمز.
اقرأ أيضاً في الحصاد- زلزال في واشنطن: كواليس تمديد المفاوضات بعد “فيتو” إسرائيلي يطيح بإعلان المبادئ!
تفاصيل “المناطق النموذجية” وسر الـ 24 ساعة الأخيرة
كشفت مصادر ديبلوماسية وعسكرية رفيعة المستوى من واشنطن لـ JNews Lebanon كواليس الـ 24 ساعة الحاسمة التي سبقت التوقيع. وأفادت المصادر بأن العقدة الأساسية التي أخّرت الاتفاق كانت “جغرافيا” المناطق التجريبية (Pilot Zones) التي عُدِّل اسمها رسمياً إلى “المناطق النموذجية”.
وتؤكد مصادرنا الحصرية أن إسرائيل كانت تصر على نشر الجيش اللبناني فقط في مناطق لا تحتلها (شمال وجنوب الليطاني) حيث نفوذ حزب الله، بينما انتزع الوفد اللبناني المفاوض تضمين “الخط الأصفر” (مناطق الاحتلال الإسرائيلي) في الترتيبات. وبحسب معطيات السفارة اللبنانية في واشنطن لـ موقعنا، تم الاتفاق على منطقتين نموذجيتين:
- المنطقة الأولى: تقع خارج “الخط الأصفر”، إلى الغرب من وادي السلوقي وجنوب نهر الليطاني، وتشهد انسحاباً إسرائيلياً كاملاً وانتشاراً للجيش اللبناني ونزع سلاح المجموعات المسلحة.
- المنطقة الثانية: تقع شمال نهر الليطاني، ويقتطع جزء منها من “الخط الأصفر الجديد”، بينما يقع الجزء الآخر خارجه.
هذا الاختراق الديبلوماسي تطلب اتصالاً هاتفياً عاجلاً من ماركو روبيو أول من أمس برئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لحل العقد الأخيرة. وأعلن روبيو خلال حفل التوقيع – الذي رُفعت فيه أعلام الدول الثلاث جنباً إلى جنب – عن تخصيص 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية فورية للبنان، و30 مليون دولار من وزارة الدفاع الأميركية لدعم الجيش اللبناني، فضلاً عن إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية ثلاثية الأطراف.
اقرأ أيضاً خاص- إقامة ذهبية أم سرقة علنية؟ نصف مليون دولار في “الثقب الأسود”!
بين بعبدا والسراي: غطاء شرعي كامل وإشادة بالتضحيات
فور توقيع الاتفاق، توجّه رئيس الجمهورية جوزيف عون بكلمة وجدانية وسياسية شكر فيها الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب، وخصّ بالتحية الفريق اللبناني المفاوض (الديبلوماسي والعسكري) الذي واكب الصياغة “كلمة كلمة”. وأكد عون أن هذا الاتفاق هو “خطوة أولى لاستعادة السيادة غير منقوصة ذرة، وتثمير لتضحيات اللبنانيين ليعودوا إلى أرضهم المحررة وبيوتهم التي ستُعمر حتماً في ظل دولة لا شريك لها في سيادتها”.
من جانبه، أكد رئيس الحكومة نواف سلام عبر منصة (X) أن الإطار يهدف لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، مشدداً على أن بسط سلطة القوات المسلحة الشرعية هو جوهر اتفاق الطائف والقرار 1701، لافتاً إلى أن “إعلان وقف العمليات العدائية” والبيان الوزاري لحكومته يحصران السلاح بالقوى الشرعية، وأن الدولة وحدها هي صاحبة قرار الحرب والسلم.
غليان في الضاحية وفيتو “حزب الله”: نحو حرب أهلية؟
في المقابل، وفور إعلان التوقيع، شرعت الأذرع السياسية والميدانية لحزب الله بالتهويل؛ حيث أطلق عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله تحذيراً شديد الخطورة قال فيه: “لا يمكن للسلطات إنفاذ اتفاق واشنطن إلا إذا ذهبت إلى حرب أهلية بدعم أميركي”، معتبراً الاتفاق محاولة لعرقلة مسار “إسلام آباد”. وتزامن ذلك مع نزول مسيرات دراجات نارية تابعة للحزب في منطقة جسر المشرفية بالضاحية الجنوبية لبيروت للتعبير عن الرفض.
وداخلياً، سارع وزيرا العمل محمد حيدر والصحة ركان ناصر الدين إلى إصدار بيان توضيحي أكدا فيه رفضهما القاطع للتفاوض المباشر مع العدو، نأياً بنفسيهما عما جرى في مجلس الوزراء.
قاسم يسأل عن “النصر” ونتنياهو يفرض واقعاً ميدانياً
المفارقة السياسية تجلت في إعلان الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، في خطابه بمناسبة ذكرى عاشوراء، أنه “كسر المشروع الإسرائيلي – الأميركي”، مطالباً بالانسحاب الشامل. غير أن الأوساط السياسية تساءلت عبر JNews Lebanon: أين كُسِر هذا المشروع؟ هل في إيران التي انهار اقتصادها واغتيل قادتها، أم في لبنان الذي ينزف بأكثر من 4 آلاف شهيد، وتدمير 11 ألف مبنى بالكامل، وخسائر فاقت الـ 20 مليار دولار، فضلاً عن وقوع نصف الجنوب تحت الاحتلال أو في مرمى النيران؟
اقرأ أيضاً خاص- الـ “60 يوماً” السويسرية تحت المقصلة: مسوّدة أميركية سريّة تُقلق بيروت..
ميدانياً، واصلت إسرائيل ضغوطها، وأعلنت المتحدثة باسم جيش الاحتلال السيطرة الكاملة على “تلة علي الطاهر” الاستراتيجية لإنهاء نفوذ حزب الله هناك، كما تم اعتقال 6 أشخاص في بلدة عين عرب الحدودية، واستهداف 7 عناصر من الحزب جنوباً. وألقت الطائرات منشورات تحذيرية على بلدة “المنصوري” لمطالبة سكانها بالمغادرة، بعدما ضمها الجيش الإسرائيلي عملياً إلى مناطق سيطرته.
كباش هرمز: مسقط تفتح ممراً جديداً وطهران تهدد
وعلى الساحة الإقليمية المتصلة بالاتفاق (الأميركي – الإيراني)، طفت الخلافات سريعاً حول إدارة مضيق هرمز. وبسبب الضغوط الأميركية، أعلنت سلطنة عُمان عن ممر ملاحي جديد لعبور السفن، وهو ما دفع طهران لإطلاق تحذيرات نارية، مؤكدة أن أي سفينة تخرج عن مساراتها المعتمدة لن تحظى بضمانات العبور الآمن أو التغطية التأمينية. وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان دونالد ترامب عن استهداف مسيرة إيرانية لسفينة شحن في المضيق وإسقاط 3 مسيرات أخرى، واصفاً الحادث بالخرق الأحمق لوقف النار، فيما كشفت المنظمة البحرية الدولية عن إجلاء 115 سفينة ونحو 2500 بحار من الخليج بموجب الهدنة.

