مع اقتراب لبنان من مرحلة ما بعد الحرب، لا تقتصر المخاوف على حجم الدمار والخسائر البشرية والاقتصادية، بل تتجاوزها إلى أسئلة أكثر خطورة تتعلق بموقع البلاد داخل النظام المالي العالمي. ومن بين هذه الأسئلة يبرز التساؤل الأساسي: هل يمكن أن ينتقل لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) إلى اللائحة السوداء في ظل التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية المتراكمة؟
هذا السؤال لم يعد مجرد نقاش تقني بين الخبراء الماليين، بل أصبح هاجساً حقيقياً لدى الأوساط الاقتصادية والمصرفية التي تدرك أن أي تراجع إضافي في تصنيف لبنان المالي قد يوجه ضربة قاسية لما تبقى من الاقتصاد اللبناني المنهك أصلاً.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الظروف التي أفرزتها الحرب الأخيرة ترفع من مستوى المخاطر المالية لعدة أسباب.
فالحرب أدت إلى تراجع النشاط الاقتصادي النظامي واتساع الاقتصاد النقدي (الكاش)، في وقت تعاني فيه الدولة من ضعف في الرقابة والإدارة المالية. كما أن تراجع الإيرادات العامة وزيادة الضغوط الاجتماعية يدفعان شرائح واسعة من اللبنانيين نحو الاعتماد على التحويلات النقدية والمساعدات الخارجية التي تصبح أكثر صعوبة في التتبع والمراقبة.
إضافة إلى ذلك، فإن استمرار التوترات الأمنية وتوسع الاقتصاد الموازي يثيران قلق المؤسسات الدولية التي تراقب قدرة الدولة اللبنانية على تطبيق المعايير المطلوبة في مكافحة الجرائم المالية.
ومن هنا يؤكد الخبراء أن الانتقال من اللائحة الرمادية إلى السوداء ليس أمراً تلقائياً أو سريعاً، بل يتطلب فشلاً واضحاً في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة أو وجود مؤشرات جدية على عدم التعاون مع الهيئات الدولية المعنية.
ويشير هؤلاء إلى أن المجتمع الدولي لا يزال يمنح لبنان فرصة لإثبات التزامه بخطة العمل المطلوبة، خصوصاً أن القطاع المصرفي اللبناني، رغم أزمته العميقة، لا يزال يحاول المحافظة على علاقاته مع المصارف المراسلة العالمية وتطبيق المتطلبات التنظيمية الدولية.
إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الإصلاحات المطلوبة لا تقتصر على مصرف لبنان أو المصارف التجارية، بل تشمل القضاء والأجهزة الرقابية والمؤسسات الحكومية التي يفترض أن تعمل بشكل متكامل لمواجهة المخاطر المالية.
في الخلاصة، المؤشرات الحالية لا تسمح بالجزم بأن لبنان يتجه حتماً نحو اللائحة السوداء، إلا أن مرحلة ما بعد الحرب ستكون اختباراً حقيقياً للدولة اللبنانية. فإما أن تستغل هذه المرحلة لإطلاق إصلاحات مالية وإدارية وقضائية جدية تعيد بناء الثقة الدولية، وإما أن تستمر حالة الشلل والتراخي بما يفتح الباب أمام مزيد من العزلة المالية.

