مع اقتراب موعد التوقيع المرتقب على الاتفاق الأميركي – الإيراني، تتجه الأنظار إلى الدور الذي أدّاه رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال المرحلة الماضية، ولا سيما في ضوء سلسلة الاتصالات التي أجراها مع جهات إقليمية ودولية معنية بالملف، من بينها الجانب الإيراني، والسفير الأميركي في بيروت، إضافة إلى الموفد السعودي يزيد بن فرحان.
وفي هذا السياق، تكثر التساؤلات حول طبيعة الدور الذي قام به بري، وما إذا كان يؤدي دوراً تفاوضياً موازياً أو داعماً للمسار الرسمي القائم بين الدولة اللبنانية وإسرائيل برعاية أميركية.
عضو كتلة “التنمية والتحرير” النائب محمد خواجة، يؤكد في حديثٍ لـ”ليبانون ديبايت”، أن “الرئيس بري ليس شريكاً في المفاوضات المباشرة الجارية، إذ إن هذا المسار ليس مطروحاً لديه أساساً، وهو موقف ثابت ومبدئي يقوم على رفض الانخراط في أي صيغة تفاوض مباشر من هذا النوع”.
ويشير إلى أن “بري لا يضيّع أي فرصة يمكن أن تؤدي إلى وقف الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، بل يعتبر هذا الهدف أولوية أساسية، وهو ما يتقاطع مع رهان قديم لديه على إمكان الوصول إلى تسوية عبر مفاوضات إسلام آباد، وقد تبيّن لاحقاً أن هذا الرهان كان في مكانه”.
وفي ما يتعلق بالاتفاق الأميركي – الإيراني وإدراج لبنان ضمنه، يلفت إلى أن “هذا الأمر كان محسوماً من جهتين، وهو ما يستند إليه الرئيس بري في قراءته للتطورات، خصوصاً في ضوء الاتصالات التي أجراها مع المفاوضين الإيرانيين، وفي الوقت نفسه، سمعنا تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أكدت أن لبنان جزء من الاتفاق، وأنه مدرج فيه ضمن ثلاثة بنود وليس بنداً واحداً، ومن هنا جاء حسم الرئيس بري لمسألة شمول لبنان بهذا التفاهم”.
وعن مهلة الستين يوماً للانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة، يوضح أن “لدى الرئيس بري معطيات حول هذا الموضوع، لكن السؤال الأساسي يبقى مرتبطاً بالموقف الإسرائيلي ومدى التزامه بهذا الاتفاق، فالوقائع تشير إلى أن إسرائيل لم تلتزم حتى الآن بشكل كامل بوقف إطلاق النار في لبنان، وإن كانت وتيرة التصعيد في الجنوب قد تراجعت، ومن هنا، تُعقد رهانات على الدور الأميركي باعتباره الطرف القادر على التأثير في الموقف الإسرائيلي، نظراً إلى امتلاك واشنطن قدرة أكبر من أي طرف آخر على دفع إسرائيل نحو الالتزام”.
ويشير إلى أن “جميع الأطراف معنية بتطبيق هذا الاتفاق، إلا أن نجاحه يبقى مرهوناً بجدية الموقف الأميركي وقدرته على فرض التزامات واضحة على إسرائيل بما يضمن عدم انهيار التفاهم الحالي”.
ويوضح أن “إيران تمتلك اليوم ورقة ضغط مهمة، إذ يمكنها تجميد موافقتها على الاتفاق في حال عدم التزام الجانب الأميركي بمسؤولياته كراعٍ أساسي لإسرائيل”، مشيراً إلى أن “تفاؤل الرئيس بري يستند إلى أن الاتفاق الحالي يحظى برعاية ودعم دول عدة، من بينها الولايات المتحدة وإيران وباكستان، إضافة إلى ترحيب من السعودية ومصر وقطر وتركيا ودول أخرى، بخلاف اتفاق 27 تشرين الثاني الذي أُبرم خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، والذي لم يلتزم الأميركيون حينها بتنفيذ التعهدات المرتبطة به”.
ويضيف أن “الاتفاق المرتقب، بعد توقيعه يوم الجمعة المقبل، سيكتسب طابعاً إقليمياً ودولياً أوسع، لكن ذلك لا يلغي الحذر من الموقف الإسرائيلي، الذي لا يمكن الاطمئنان إليه، وإذا طُبّق الاتفاق بحذافيره، فقد يفتح الباب أمام فترة طويلة من الهدوء، ليس في لبنان وإيران فحسب، بل على مستوى الشرق الأوسط بأسره”.
وفي ما يتعلق بملف الانسحاب الإسرائيلي وما يُطرح من ترتيبات مقابلة له، من بينها إنشاء مناطق عازلة أو تجريبية، يؤكد خواجة أن “الرئيس بري يرفض بشكل قاطع هذه الطروحات، وما يساعد في مواجهتها هو توحيد الموقف اللبناني. أما المقاربة المطروحة فتقوم على انسحاب الجيش الإسرائيلي مقابل انسحاب مقاتلي المقاومة من منطقة جنوب الليطاني، على أن ينتشر الجيش اللبناني ويتولى السيطرة الكاملة على المنطقة، وهو أمر يحظى بتوافق لبناني واسع”.
ويتابع: “لن نقبل بالعودة إلى مرحلة ما قبل آذار، وإذا حاولت إسرائيل التمدد أو فرض وقائع جديدة على الأرض، فإن الأمور لم تعد كما كانت سابقاً. لذلك تقع على عاتق الدول الراعية للاتفاق مسؤولية أساسية في دفع إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، على أن يتولى الجيش اللبناني الانتشار في المناطق التي يتم الانسحاب منها”.
وعن ملف سلاح حزب الله، يشدّد على أن “هذا الأمر يُبحث ويُعالج داخلياً بين اللبنانيين، فيما تبقى الأولوية اليوم لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية. وبعد ذلك، يجب أن يكون هناك حوار وطني مفتوح بين القوى الأساسية في البلد، تُطرح خلاله جميع الهواجس على الطاولة، ويتم البحث عن خيارات تعزز الوحدة الوطنية وتؤمّن مصلحة لبنان”.
ويختم خواجة مؤكداً “رفضه أي إملاءات إسرائيلية أو خارجية، فقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة من الشهداء والدمار، ولا سيما أهالي الجنوب الذين قدّموا تضحيات كبيرة، ليس فقط على مستوى لبنان بل على مستوى الوطن العربي، كما لا يمكن إغفال الدور الوطني الذي أدّاه اللبنانيون الأحرار الذين احتضنوا إخوانهم النازحين ووقفوا إلى جانبهم خلال هذه المرحلة الصعبة”.

