في شهادة لافتة تعكس حجم المعارك التي دارت في جنوب لبنان خلال الأشهر الماضية، كشف قائد وحدة “ماغلان” النخبوية في الجيش الإسرائيلي، المقدم “ب”، تفاصيل غير مسبوقة عن ما وصفه بـ”البوفور الحقيقي” الموجود تحت الأرض، مؤكداً أن قواته عثرت على مدينة متكاملة تابعة لحزب الله تضم مستشفى وغرف عمليات ومخازن ضخمة للأسلحة والعبوات الناسفة.
وبحسب تقرير للصحافي إليشع بن كيمون في صحيفة “يديعوت أحرونوت” وموقع “واينت”، تحدث قائد الوحدة في مقابلة وداعية قبيل انتهاء مهمته، عن الحرب الطويلة مع حزب الله، وتحديات المسيّرات، والعملية التي استهدفت البنية التحتية تحت الأرض في منطقة قلعة الشقيف (البوفور)، والتي قال إنها كانت موضوعة على جدول التخطيط منذ سنوات.
المقدم “ب” (37 عاماً)، المتزوج والأب لأربعة أولاد، ينهي اليوم ولاية استمرت عامين على رأس وحدة “ماغلان”، على أن يتولى قريباً قيادة لواء الاحتياط “كرميئيلي”، فيما سيخلفه المقدم “ج”، الذي شغل سابقاً منصب قائد الكتيبة 50 في لواء “ناحال”.
ويغادر الضابط الإسرائيلي الوحدة في ذروة العمليات العسكرية، بعد أشهر طويلة من القتال والمناورات البرية داخل الأراضي اللبنانية. وقال في المقابلة: “أعتقد أننا نقاتل تنظيماً تعرض لضربات قاسية. إذا كان قبل عام ونصف العام لا يزال يقاتل، فهو اليوم بالكاد يجرؤ على الاحتكاك المباشر مع الجيش. إنه يتراجع ببساطة”.
وأضاف: “قادتهم يرسلون العناصر إلى جنوب لبنان ليموتوا، وهم يحاولون تجنب أي احتكاك مباشر معنا. ما تبقى لديهم هو محاولة تطوير قدرات المسيّرات”.
وتوقف الضابط عند التهديد الذي تمثله المسيّرات، معتبراً أنه يشكل تحدياً جديداً للجيش الإسرائيلي، لكنه أشار إلى أن المؤسسة العسكرية طورت وسائل متعددة لمواجهته.
وقال: “هذا تحدٍ جديد، لكن في كل مرحلة يظهر سلاح جديد يقلقنا، فنقوم بدراسته والتعامل معه. اليوم لدينا حلول تكتيكية وتسليحية أكثر. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يحاول بها العدو مواجهتنا. عشت شخصياً حادثة صعبة قُتل فيها أحد جنودنا بواسطة مسيّرة انتحارية ليلاً استُخدمت فيها وسائل حرارية”.
وأضاف: “لم يكن مفاجئاً أن ينتقلوا إلى استخدام المسيّرات ليلاً. التنظيم كان يبحث ببساطة عن حلول منخفضة الكلفة. لكن هل أوقفت المسيّرات الجيش الإسرائيلي عن الوصول إلى البوفور؟ الجواب لا. لم أرَ أي مكان توقف فيه الجيش بسبب ذلك. التحدي الأكبر هو حماية المدنيين في المستوطنات من هذا التهديد”.
أما الإنجاز الذي اعتبره الأبرز خلال قيادته للوحدة، فكان تدمير البنية التحتية المحصنة تحت الأرض في منطقة البوفور، وهي العملية التي حملت داخل الوحدة اسماً ساخراً هو “ربما هذه المرة”.
وكشف قائلاً: “نحن منذ عامين في حالة استعداد وخطط متواصلة لهذه العملية. عرضنا كل خطة ممكنة وكل وسيلة للوصول إلى هناك. وصلنا إلى مرحلة المصادقة على الخطط حتى مستوى رئيس الأركان ثلاث مرات على الأقل، وفي كل مرة كانت تؤجل”.
وأضاف: “سألت نفسي ما إذا كنت سأنجح أصلاً في تنفيذها خلال فترة قيادتي. تعرضنا من هناك لكميات كبيرة من النيران باتجاه بلدات الشمال، وكان من المهم بالنسبة إلينا إثبات قدرات الوحدة والمشاركة في هذه المعركة إلى جانب الفرقة 36 وفتح المحاور وعبور الليطاني”.
وتابع: “خلال العامين والثمانية أشهر الماضية رأيت أموراً لم أكن أصدق قبل الحرب أنها ستحدث. تعلمت أنه لا يوجد شيء مستحيل”.
وعن المشاهد التي واجهتها قواته داخل المنشأة، قال: “البوفور الحقيقي موجود اليوم تحت الأرض. لو أن التنظيم استخدم هذا الموقع كما كان يخطط، لكانت مواجهتنا أصعب بكثير. لقد بنى هناك منظومة قتالية معقدة جداً ضمن شبكة التحصينات التي أعدها لمنع الجيش الإسرائيلي من عبور الليطاني، إضافة إلى منظومة تسمح له بإطلاق النار نحو البلدات”.
وأضاف: “إنها مدينة كاملة تحت الأرض. هناك منظومة قادرة على تأمين الطعام والمياه لأشهر طويلة، وغرف عمليات ومستشفى تحت الأرض مع أسرّة ومعدات طبية متطورة قادرة على معالجة الجرحى بأعلى المستويات. عثرنا هناك على كمية هائلة من الأسلحة ومستودعات ضخمة تضم مئات العبوات الناسفة التي كان من المفترض نشرها على طول المحاور. وفوق كل ذلك، ترى بوضوح بصمة إيرانية واضحة”.
وأكد أن مهمة الوحدة كانت أساسية لتمكين بقية الألوية من التقدم، قائلاً: “إحدى مهماتنا المركزية كانت فتح الطرق وإبطال مفعول العبوات التي كان يفترض أن تعيق القوات الكبيرة. فككنا مئات العبوات على الطرقات. كانت من أكثر العمليات تعقيداً التي خضناها، وكل ذلك لفتح الطريق أمام لوائي غولاني وجفعاتي”.
وأضاف: “عندما ترى حجم العقبات التي نشرها العدو تدرك مقدار استثماره فيها، كما تدرك حجم إيمانه بقدرات الجيش الإسرائيلي وخشيته منها”.
وتحدث أيضاً عن طبيعة الأرض في جنوب لبنان، قائلاً: “الأرض هنا ليست مثل رمال غزة. في الشمال هناك تربة صخرية مختلفة تماماً، وقد استغرق الأمر منهم سنوات طويلة لحفر هذه المنشآت بهذا العمق قرب الحدود”.
وأضاف: “مشروع استغرق بناؤه عشرات السنوات تحول خلال أسبوع واحد إلى مشروع بلا قيمة. أخذنا منهم جميع الأصول. حزب الله في جنوب لبنان اليوم لا يعرف كيف ينشئ مناطق يمكنه القتال منها، وأنا أتساءل إن كان سيتمكن يوماً من إعادة بناء ما استثمرنا كل هذا الجهد لتدميره”.
ورداً على سؤال حول تأثير المواجهة الأخيرة مع إيران على الجبهة الشمالية، قال: “لا يوجد أي تغيير في السياسة. الجيش يقاتل بكامل قوته. لدينا مهمات لم تُنجز بعد وسننفذها”.
وأضاف: “الجيش أصبح آلة جاهزة للعمل. إذا قرر رئيس الأركان غداً التوجه إلى أماكن أخرى، فالأمر يحتاج فقط إلى أمر عبر أجهزة الاتصال. نحن موجودون هناك بالفعل. احتلال النبطية؟ نحن على أبواب المدينة، والأمر يحتاج فقط إلى قرار”.
وعلى الرغم من حديثه عن النجاحات الميدانية، أقرّ الضابط الإسرائيلي بحجم الأعباء التي يتحملها المقاتلون.
وقال: “لا شك أن الوحدة مرت بتحول هائل. عندما أنظر إلى قادة الفرق والمقاتلين أرى أنهم بالكاد يعودون إلى منازلهم. خلال المناورة الحالية أمضينا 8 أسابيع متتالية من دون إجازات. وأنا شخصياً لم أمضِ عطلة نهاية أسبوع كاملة في منزلي خلال العام الماضي، باستثناء زيارات قصيرة بين العمليات”.
وأشار إلى أن قوات الاحتياط التابعة للوحدة حققت إنجازاً وصفه بالدراماتيكي في منطقة علي طاهر، موضحاً أن العناصر عادوا إلى الخدمة بعد أسبوع ونصف فقط من تسريحهم، وتمكنوا خلال 48 ساعة من السيطرة على ما وصفه بـ”أكثر الأهداف تعقيداً” في المنطقة، بالتعاون مع لواء غولاني ووحدة “يهلوم”.
وختم قائلاً: “كلنا نحلم بأن تقوم الدولة اللبنانية بتفكيك حزب الله، لكنني مقتنع بنسبة 100% بأنه حتى لو وُقع أفضل اتفاق سلام ممكن، فسيتعين علينا الاستمرار في الاستثمار بقوة كبيرة في الجيش الإسرائيلي. يجب أن يأتي أي اتفاق من موقع قوة، وإذا ذهب الطرف الآخر إلى تسوية أو اتفاق، فسيكون ذلك لأنه أدرك ببساطة أنه لا يستطيع الوقوف في مواجهة جيشنا”.
وبين رواية الجيش الإسرائيلي عن الإنجازات الميدانية في جنوب لبنان، واستمرار المواجهة المفتوحة على أكثر من مستوى، تبقى المعركة على الأرض وفي العمق جزءاً أساسياً من المشهد الذي لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد.

