بعد أكثر من ثلاثة أشهر على غيابه عن الظهور العلني، تحوّل المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى مادة للسخرية والجدل داخل إيران، بعدما انتشرت في شوارع مدينة كرج قرب طهران ملصقات تحمل صورته ومعلوماته الشخصية على هيئة إعلانات للبحث عن شخص مفقود، في مشهد يعكس حجم الغموض الذي يحيط بوضعه الصحي والسياسي.
وبحسب الصور المتداولة، حملت الملصقات صورة خامنئي إلى جانب اسمه وعمره ومواصفاته الشخصية وآخر مكان شوهد فيه، كما تضمنت مكافأة مالية قدرها مليون تومان لمن يعثر عليه، أي ما يعادل نحو خمسة دولارات أميركية.
وللوهلة الأولى بدت الملصقات رسمية، إذ وُضع عليها شعار منسوب إلى “لجنة البحث عن المفقودين في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة”، ما زاد من حجم التفاعل حولها على مواقع التواصل الاجتماعي وبين الإيرانيين.
ويأتي هذا التطور في ظل استمرار الغموض بشأن الحالة الصحية للمرشد الإيراني، الذي تولى المنصب بعد مقتل والده علي خامنئي خلال الضربة التي استهدفت مجمعاً كان يضم كبار المسؤولين والقادة العسكريين في بداية الحرب.
وخلال الأسابيع الماضية، حاول مسؤولون إيرانيون طمأنة الرأي العام بشأن وضعه الصحي. وأكد مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة الصحة حسين كرمانبور أن خامنئي أصيب في اليوم الأول من الحرب ونُقل إلى مستشفى سينا في طهران، مشيراً إلى أن إصاباته كانت طفيفة واقتصرت على جروح استدعت عدداً من الغرز في ساقه.
كما أوضح مسؤولون آخرون في مكتب المرشد أن إصاباته في القدم وأسفل الظهر وخلف الأذن كانت محدودة، وأنه تعافى بشكل جيد، مؤكدين أنه سيخاطب الإيرانيين عندما يحين الوقت المناسب.
لكن تلك التطمينات لم تنهِ التساؤلات حول أسباب اختفائه الطويل، خصوصاً أنه لم يظهر في أي خطاب متلفز أو تسجيل مصور منذ توليه المنصب، واكتفى بإصدار بيانات ورسائل تُتلى عبر وسائل الإعلام الرسمية.
وفي المقابل، ذكرت تقارير إعلامية أميركية أن خامنئي تعرض لحروق وإصابات خلال الضربة الافتتاحية التي استهدفت المجمع الذي كان يضم والده وعدداً من كبار مساعديه، ما قد يفسر استمرار ابتعاده عن الظهور العلني.
وأشارت صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن المرشد الجديد لا يتمتع بمستوى السيطرة والنفوذ نفسه الذي كان يحظى به والده، لافتة إلى أن مركز القرار في إيران بات يميل بصورة متزايدة نحو قادة الحرس الثوري الذين يديرون ملفات عسكرية ودبلوماسية أساسية.
وبحسب الصحيفة، أصبح الوصول إلى خامنئي محدوداً للغاية، فيما يتم التواصل معه عبر رسائل مكتوبة بخط اليد، في وقت يحيط به فريق طبي يتابع علاجه وإعادة تأهيله.
ويأتي ذلك في مرحلة حساسة تشهد فيها إيران تحديات داخلية وخارجية متزايدة، بالتزامن مع مفاوضات معقدة مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب المستمرة منذ أشهر. كما عاد اسم خامنئي إلى الواجهة دولياً بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لم يستبعد إمكانية لقائه مستقبلاً إذا سمحت الظروف السياسية بذلك.
ويعكس الجدل المتصاعد حول غياب المرشد الإيراني حجم القلق داخل الأوساط السياسية الإيرانية بشأن طبيعة إدارة السلطة في مرحلة ما بعد علي خامنئي، وسط مؤشرات متزايدة على اتساع نفوذ الحرس الثوري وتراجع مركزية القرار التي طبعت النظام الإيراني لعقود طويلة.

