كتبت الين بركات في موقع Jnews Lebanon
لم يمرّ لبنان بحرائق مالية عابرة يمكن امتصاص آثارها بمرور الوقت، بل تعرض في الواقع لعملية تجريف شاملة لنصف اقتصاده القومي، أدت إلى إفقار واسع ومنظم لشعبه. فبين عشية الانهيار واللحظة الراهنة، انقضت خرافة “التعافي الهش” لتبدأ مرحلة جديدة من انكماش الدخل، وتبخر القدرة الشرائية، وتآكل نوعية الحياة إلى مستويات غير مسبوقة.
من 55 ملياراً إلى القاع: الارتداد الهش تبدده الحرب والانكماش
تظهر القراءة الحصرية لموقع “Jnews Lebanon” في البيانات الاقتصادية أن ما شهده العام الماضي (2025) من نمو محدود لم يكن تعافياً بنيوياً أو مؤشراً على خروج القطاع الاقتصادي من العناية الفائقة، بل كان مجرد ارتداد هش وسريع تبدد كلياً مع اندلاع المواجهات الأخيرة. والأخطر من ذلك هو السيناريو المرتقب للعام الحالي 2026، حيث تشير التقديرات المالية الشاملة إلى انكماش مؤكد في الناتج المحلي الإجمالي لا يقل عن 7%.
هذا الانكماش الجديد يأتي ليُجهز على ما تبقى من القيمة الحقيقية للودائع والمدخرات والأجور؛ فبعد أن كان الناتج المحلي يناهز 55 مليار دولار بنصيب فردي يصل إلى 9 آلاف دولار قبل الأزمة، بات الاقتصاد اليوم أصغر بمقدار النصف تقريباً، مما يعني انزلاق شرائح واسعة وجديدة من اللبنانيين تحت خط الفقر المادي والعينائي.
غياب الحوكمة وهروب من “توزيع الخسائر”
ما يضاعف من كلفة هذه الأزمة هو تقاطع الخسائر مع موجة جديدة من الضغوط التضخمية العاتية، في ظل استمرار السلطة السياسية والمالية في تخبطها، ودون امتلاك أي سياسة واضحة للاحتواء أو إطار مالي متوسط الأجل. وتكشف معطيات “Jnews” أن تقاعس المنظومة عن إقرار خطة جدية وعادلة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوزيع الخسائر بمسؤولية، ليس سوى استمرار لنهج حماية أرباح أصحاب النفوذ على حساب الملكية العامة وحقوق المودعين.
“رؤية Jnews الاقتصادية: هكذا تُفقَر الأمم.. عندما تتحول الدولة من كيان لحماية الثروة العامة وتوفير الخدمات، إلى منظومة توزيع منافع للمتنفذين تُحمّل المجتمع أوزار الفساد والانهيار.”
سقوط النموذج الزبائني: الكهرباء والصحة مقابل الشلل التام
إن ما وصل إليه الاقتصاد اللبناني هو ثمرة مباشرة لسنوات طويلة من السياسات المالية والنقدية العبثية؛ سياسات قامت على تمويل الهدر بالدين واستنزاف ودائع المواطنين لإطالة عمر نموذج اقتصادي عقيم، محمياً بالزبائنية والمحاسبة الغائبة. ولم تقتصر نتائج هذا النموذج على تآكل الأرقام والعملة، بل امتدت لتدمير شامل لبنية الحياة الأساسية في لبنان، من الكهرباء والمياه إلى الصحة، والتعليم، والنقل، والبنية التحتية.

