كتبت جوزفين ديب في اساس ميديا:
منذ انتهاء حرب 2024، تعاملت الولايات المتّحدة مع الساحة اللبنانيّة وفق معادلة واضحة: منح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرّك جنوباً، مقابل وضع “ضوء أحمر”على استهداف بيروت بمقرّاتها الرسميّة ومؤسّساتها العامّة، ثمّ عادت ووضعت خطّاً أحمر لاستهداف العاصمة والضاحية بالتوازي مع مطلب إيران. إلّا أنّ هذه المعادلة التي حكمت الوضع الأمنيّ في الأسابيع الماضية تبدو اليوم في طريقها إلى التبدّل، بناء على معطيات جديدة،ومع خروج نتنياهو علينا ليضع معادلة جديدة مفادها الضاحية مجدّداً مقابل أمن شمال اسرائيل، واستكمال الاجتياح جنوباً واحتمال وصوله إلى نهر الأوّلي في صيدا.
اتصالات الساعات الاخيرة: ترامب يتدخل
تمامًا كالمشهد الذي شهده اللبنانيون قبل الهدنة الأولى بين واشنطن وطهران، والتي انسحب هدنة أيضًا في بيروت والضاحية، يتكرر المشهد اليوم بعد أن وضع نتانياهو معادلة الضاحية مقابل أمن شمال إسرائيل. وفي المعلومات أن كوكبة الاتصالات التي ازدحمت في الساعات الأخيرة خلصت إلى:
– إعلان ترامب أنه تواصل عبر وسطاء مع الحزب وقصد بذلك تواصل الرئيس بري ومستشارة علي حمدان مع باراك رافيد ومع السفير ميشال عيسى لطرح مقترحه بوقف متبادل للهجمات.
– ضغط واشنطن على نتانياهو لعدم ضرب الضاحية تمامًا كما المرة السابقة مقابل إعلان لبنان ضمانه بعدم قيام الحزب بقصف إسرائيل والتزامه بوقف النار.
– تأكيد تل أبيب أنها مستمرة بما يلزم في جنوب لبنان حرصًا على أمن شمال إسرائيل .
تتحدّث المصادر عن سيناريوات تُناقَش جدّيّاً داخل المؤسّسات الأمنيّة الإسرائيليّة تقوم على تثبيت السيطرة العسكريّة في المناطق الواقعة بين الليطاني والزهراني
ولكن، هذه الخلاصات تضعنا أمام سؤال جوهري: ماذا عن الجنوب؟ هل تخلى الحزب عن الجنوب؟ هل سيقبل الحزب وقف اطلاق النار تزامنًا مع استمرار إسرائيل لتدمير القرى جنوبًا؟ ام ان هذه مقدمة لطرح معادلة جديدة مفادها أن مفاوضات وقف النار لن تمر سوى عبر “الحزب” وواشنطن؟
بناء على هذا المعطى الجديد الذي وضع نتانياهو في ورطة في الداخل الإسرائيلي ، اكتسب الحزب ورقة رابحة سيؤديها في خطابه بشكل جيد عن دور إيران في وقف إبادة الضاحية الجنوبية، ولكن مقابل استكمال تدمير البلدات كما قال كاتس في ساعات الليل.
وبناء على هذا المعادلة المستجدة، سيعقد الوفد السياسي في واشنطن جولة جديدة من المفاوضات في الخارجية الأميركية اليوم بعد أن كانت الاجتماعات الأمنية سيئة بمعايير واشنطن .
ماذا سبق مشهد الساعات الاخيرة ؟
وفق مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس”، لم ينجح الاجتماع الأخير الذي عُقد في البنتاغون بين الوفدين العسكريَّين اللبنانيّ والإسرائيليّ في إنتاج أيّ أرضيّة مشتركة، لا بل كان دليلاً إضافيّاً على ضخامة الهوّة بين الجانبين.
تمسّك الوفد اللبنانيّ العسكريّ الذي طبّق تعليمات قيادته بموقف يقوم على ثلاث أولويّات:
– وقف شامل لإطلاق النار قبل أيّ خطوات داخليّة.
– رفض تشكيل لواء خاصّ في الجيش لمواجهة “الحزب”.
– رفض التطبيع الأمنيّ مع إسرائيل بقبول التنسيق المباشر العسكري بين الجانبين.
– رفض الآليّة الأميركيّة المقترحة بأن ينفّذ الجيش ما يُطلب منه أميركيّاً وإسرائيليّاً، ومنه اقتحام بعض المنازل والمنشآت، والتأكّد لاحقاً من “حسن قيامه بالواجب”.
– رفض تحويل الجيش إلى طرف في مواجهة داخليّة مع “الحزب” على اعتبارها معركة استنزاف للمؤسّسة.
– ربط أيّ معالجة لملفّ السلاح بقرار سياسيّ داخليّ يحافظ على الاستقرار والسلم الأهليّ.
وفق مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس”، لم ينجح الاجتماع الأخير الذي عُقد في البنتاغون بين الوفدين العسكريَّين اللبنانيّ والإسرائيليّ في إنتاج أيّ أرضيّة مشتركة، لا بل كان دليلاً إضافيّاً على ضخامة الهوّة بين الجانبين
في المقابل، دخل الإسرائيليّون الاجتماع من زاوية مختلفة تماماً، عنوانها أنّ الدولة اللبنانيّة لم تنجح حتّى الآن في تنفيذ المطلوب منها جنوب الليطاني أو في ما يتّصل بحصر السلاح بيد الدولة شمالاً، وأنّ الوقت لم يعد يعمل لمصلحة الانتظار. كان للأميركيّ والإسرائيليّ في الاجتماع موقف واحد من حيث ، تمثل عبر الإصرار على تثبيت التنسيق الأمنيّ ليعمل الجيش على مواجهة “الحزب” من جهة، بينما تستكمل إسرائيل مهمّتها من جهة أخرى.
تقول المصادر إنّ هذا التناقض الكامل في المقاربتين جعل الاجتماع ينتهي من دون أيّ نتائج عمليّة على الرغم من استمراره تسع ساعات، وهذا ما انعكس مباشرة على التقديرات الأميركيّة للمشهد اللبنانيّ خلال الأسابيع المقبلة.
لن تنحصر تداعيات هذا الاجتماع في الميدان، بل ستدخل على مسار المفاوضات المرتقبة في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، التي لا تبدو أفضل حالاً. بحسب مصادر دبلوماسيّة في واشنطن، سيحمل الوفد السياسيّ اللبنانيّ المطالب نفسها التي طُرحت في البنتاغون، وفي مقدَّمها وقف إطلاق النار، فيما لا توجد مؤشّرات إلى أيّ تفاهم قريب أو إلى اتّفاق شامل كما جرى التداول أخيراً.
من اللّيطاني إلى الأوّلي: إسرائيل تستعدّ لفرض الوقائع بالقوّة
بحسب معلومات “أساس”، تعمل إسرائيل اليوم وفق خطّة تصعيديّة تستند إلى ثلاثة أهداف مترابطة:
تأمين منطقة الشمال الإسرائيلي عبر إبعاد “الحزب” أكثر نحو العمق اللبنانيّ وجعل جنوب لبنان منطقة غير قابلة للحياة.
زيادة الضغط على الدولة اللبنانيّة لدفعها إلى اتّخاذ خطوات عمليّة في ملفّ السلاح.
تكريس الفصل بين الساحة اللبنانيّة والملفّ الإيرانيّ في أيّ ترتيبات إقليميّة أو تفاهمات مستقبليّة.
تضيف المصادر أنّ ما كان يُعرف بالفيتو الأميركيّ على استهداف الضاحية الجنوبيّة وبيروت لم يعد قائماً بالصيغة السابقة، وهذا ما يفتح الباب أمام عودة الغارات إلى العمق اللبنانيّ، وهو ما شهده لبنان في الساعات الماضية وسيشهده على نحو تصعيديّ في المرحلة المقبلة.
بالتالي كلّ الاستعدادات الفعليّة قائمة لعمليّة واسعة داخل الأراضي اللبنانيّة، كما قال نتنياهو، تهدف إلى تنفيذ ما تعتبره إسرائيل مهمّات عجزت الدولة اللبنانيّة عن إنجازها بنفسها.
في معلومات “أساس” أنّ المكالمة الهاتفيّة بين وزير الخارجيّة الأميركيّ مارك روبيو ورئيس الجمهوريّة جوزف عون خلصت إلى أنّ الدولة اللبنانيّة لن تستطيع معالجة إشكاليّة السلاح كما يريد الأميركيّون والإسرائيليّون، وبالتالي لم يبقَ سوى أن تقوم إسرائيل بكلّ العمل.
لذلك تتحدّث المصادر عن سيناريوات تُناقَش جدّيّاً داخل المؤسّسات الأمنيّة الإسرائيليّة تقوم على تثبيت السيطرة العسكريّة في المناطق الواقعة بين الليطاني والزهراني، مع احتمال توسيع نطاق التوغّلات وصولاً إلى نهر الأوّلي إذا استمرّت إسرائيل باعتبار أنّ أهدافها الأمنيّة لم تتحقّق.
بالنسبة إلى نتنياهو، لا يرتبط هذا المسار بالاعتبارات الأمنيّة فقط، فالرجل يستعدّ أيضاً لمعركة انتخابيّة مفصليّة يُرجّح أن تُجرى في أيلول أو تشرين الأوّل المقبلين، ويريد تثبيت نتائج حرب 2024 وتحويلها إلى وقائع دائمة على الأرض اللبنانيّة يمكن تسويقها إنجازاً استراتيجيّاً داخليّاً.
لا يوحي المشهد الذي يتكوّن في واشنطن وتل أبيب بأنّ لبنان يتّجه نحو مرحلة تهدئة، فالمفاوضات الأمنيّة تراوح مكانها، والجيش اللبنانيّ يرفض الانخراط في صدام داخليّ، والسلطة السياسيّة عاجزة عن إنتاج تسوية متكاملة لملفّ السلاح، وبالتالي، هل يبقى الباب الوحيد في واشنطن مفتوحًا في مفاوضات مع الحزب عن طريق بري أو غيره؟

