في قراءة سياسية حادة للتطورات العسكرية والأمنية التي يشهدها لبنان والمنطقة، يربط الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي بين ما يجري اليوم في الجنوب وبين محطات مفصلية من تاريخ الصراع مع إسرائيل، متوقفاً عند أبعاد الحرب الحالية وتداعياتها على لبنان، ودور إيران وحزب الله في المرحلة الماضية.
كما يتناول ملف النازحين، والدور القطري الداعم للبنان، إضافة إلى الواقع الداخلي والتوازنات السياسية وملف السجناء الإسلاميين والعفو العام، في ظل مرحلة يصفها بالدقيقة والمفصلية.
وأكد العريضي في حديث لـ”ليبانون ديبايت”، أن “التاريخ يعيد نفسه، وإن اللاعبين تغيّروا، فاجتياح الجنوب خلال الأيام الماضية قد يكون نسخة عن اجتياح العام 1982، ولكن الفارق أن إسرائيل اجتاحت لبنان هذه المرة من خلال تسوية القرى والبلدات بالأرض وتدميرها”.
وأضاف أن “هذه السياسة الإسرائيلية العدوانية إنما تنمّ عن مخطط كبير، ولكن للأسف فإن حزب الله أعطاها الذريعة نتيجة هذه السياسة الرعناء، وصولاً إلى السؤال الأكبر، لماذا لم تطلق إيران صاروخاً واحداً على إسرائيل، التي كانت تجتاح بلدة تلو الأخرى في الجنوب؟ والأمر عينه انسحب على الأربعاء الأسود، ما يعني هل باعت إيران حزب الله، وهذه الورقة الرابحة بالنسبة لها، والتي استعملتها لمساندة بشار الأسد، وبعدها لإسناد غزة وصولاً إلى إسناد إيران؟ وماذا جنى لبنان إلا الخراب والدمار وهذا الترانسفير الأخطر في تاريخ لبنان، والذي يوازي نكبة فلسطين عام 1948؟”.
وينقل العريضي معلومات ومعطيات تفيد بأن “ترامب تمهّل كثيراً في التوقيع على التفاهم مع طهران، لأنه أعطى هامشاً كبيراً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليجتاح الجنوب أو معظمه، وحتى الساعة لا تزال الحرب مستمرة، ولنعرف كيف ستنتهي، وسط غياب دولي أو حتى تنديد بما تقوم به إسرائيل، لأن حزب الله ضرب كل دول الخليج من خلال شبكاته، وبالتالي سجّل نقطة سوداء في مساندة بشار الأسد وكل ما حصل في سوريا، وصولاً إلى السابع من أيار وأمور كثيرة”.
وأكد أنه يجب على الجميع احتضان النازحين والوقوف إلى جانبهم انطلاقاً من المواطنة والوطنية الحقيقية، لأن هؤلاء أهلنا، وليس سهلاً أن تُدمّر المنازل والذكريات وجنى العمر، وعلى هذه الخلفية، فإن المسألة تحتاج إلى دعم كبير قد يتخطى لبنان”.
وفي هذا الإطار، نوّه العريضي بـ”كل ما تقوم به قطر لدعم لبنان، وقد تكون الأبرز في هذه المرحلة من خلال ما يقوم به سفيرها في لبنان الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي يلعب دوراً كبيراً في تطوير العلاقات اللبنانية – القطرية، مشيرًا إلى أن تدشين المشاريع الصحية والتربوية والاجتماعية، وصولاً إلى قرب افتتاح مستشفى الكرنتينا الحكومي العام المقبل، إضافة إلى دعمها لقطاع النقل وأمور كثيرة أخرى، يجعل ما تقوم به الدوحة في هذه الظروف الاستثنائية أمراً يستحق التقدير، ومن حق الجميع أن يقول، شكراً قطر، كما أن هناك ملفات عديدة مدرجة على أجندة دولة قطر لدعم ومساعدة لبنان”.
وفي سياق متصل، قال العريضي: “ماذا بإمكان مجلس الجنوب أن يفعل أكثر مما يقوم به من أجل دعم النازحين وتلبية الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية عبر شخص رئيسه المهندس هاشم حيدر؟، حيث المجلس مستنفر على مدار 24 ساعة، إلا أن الدعم المطلوب اليوم ليس متوافراً كما كان في مراحل سابقة نتيجة ما جرى في الخليج والأزمة الاقتصادية في أوروبا ومسائل أخرى كثيرة، إنما المجلس يقوم بدوره على أكمل وجه”.
وفي سياق آخر، اعتبر العريضي أن “الحديث عن الدعوة إلى استقالة الحكومة أو التهديد والوعيد لا جدوى منه، مشيراً إلى أن المعلومات المستقاة من أكثر من جهة تؤكد أن الزمن تبدّل، ولم يعد في وسع حزب الله أو أي طرف آخر القيام بحرب أهلية أو إشعال فتنة في الداخل”.
ورأى أن “المظاهر الخجولة التي حاول حزب الله القيام بها في وسط بيروت ليست سوى مؤشر على ذلك، مؤكداً أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يبقى صمام الأمان، وهو يرفض أي فتنة داخلية أو أي مساس بالسلم الأهلي، ويشجب كل هذه المسائل، ومن هذا المنطلق، يعتبر أن مواقف الرئيس نبيه بري في هذه المرحلة يُبنى عليها ويُعوّل عليها لضبط إيقاع الوضع وإدارة التوازنات الداخلية”.
وأشار إلى أن “هناك وعياً لدى أكثر من مسؤول حيال هذه المسألة، وأن ما قام به نائب بيروت نبيل بدر عبر اتصالاته مع الرئيس بري وآخرين للحفاظ على أمن واستقرار بيروت وخصوصيتها، يشكل مؤشراً واضحاً على ذلك، لاسيما أن النائب نبيل بدر يدعو أيضاً إلى ضرورة الحفاظ على هوية بيروت الوطنية والعلاقة مع دول الخليج، لأن الأمور دقيقة جداً في هذه المرحلة، وصولاً إلى إنهاء ملف السجناء الإسلاميين وإطلاق سراحهم، بما فيهم الشيخ أحمد الأسير، لأن العفو العام بات واجباً ليس فقط سنياً بل وطنياً أيضاً”.
وأكد العريضي، أن “من ارتكب جرائم بحق الجيش أو غيره يجب أن يحاسب، إلا أن هذا الملف لا ينبغي أن يدخل في لعبة “الستة وستة مكرر” أو في إطار تصفية الحسابات، أو ربط بعض هؤلاء بتجار مخدرات وغيرهم”.

