أعلن الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان “فيناسول” أن محكمة العدل الدولية أصدرت رأيًا استشاريًا يكرّس حق العمال ومنظماتهم النقابية في الإضراب، باعتباره حقًا محميًا بموجب اتفاقية حرية تكوين الجمعيات وحماية حق التنظيم رقم 87 لعام 1948، في تطور وصفه الاتحاد بأنه محطة بالغة الأهمية في مسار الدفاع عن الحريات النقابية، ولا سيما حق موظفي القطاع العام في التنظيم والتحرك والضغط المشروع.
وأوضح الاتحاد، في بيان، أن هذا الرأي الاستشاري يشكّل تأكيدًا دوليًا واضحًا على أن حق الإضراب ليس حقًا منفصلًا عن حرية تكوين الجمعيات، بل جزء أساسي من مضمونها العملي، باعتبار أن التنظيم النقابي يفقد جزءًا كبيرًا من فعاليته إذا جُرّد العمال ومنظماتهم من وسيلة الإضراب للدفاع عن حقوقهم ومطالبهم الاجتماعية والمهنية.
وأشار البيان إلى أن الاتحاد الدولي عمّم على جميع الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية والمهنية التعميم رقم 27، متضمنًا النص الكامل للرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية، والذي خلص بوضوح إلى أن حق العمال ومنظماتهم في الإضراب محمي بموجب الاتفاقية رقم 87.
وفي الرأي الاستشاري الصادر في 21 أيار 2026، أجابت المحكمة بالإيجاب عن السؤال المطروح عليها بشأن ما إذا كان حق العمال ومنظماتهم في الإضراب محميًا بموجب اتفاقية حرية تكوين الجمعيات وحماية حق التنظيم. واعتبرت أن المعنى العادي للمصطلحات الواردة في الاتفاقية، عند تفسيرها بحسن نية وفي سياقها وفي ضوء موضوعها وهدفها، يقود إلى نتيجة مفادها أن حماية حق الإضراب تدخل ضمن حماية حرية تكوين الجمعيات المنصوص عليها في الاتفاقية رقم 87.
ورأت المحكمة أن الأعمال التحضيرية للاتفاقية لم تحسم المسألة بصورة قاطعة، إذ إن الحق في الإضراب ذُكر بإيجاز في المراحل الأولى من النقاشات، بينما تركّزت المناقشات اللاحقة على حق الموظفين العموميين في الإضراب. وبناءً على ذلك، خلصت إلى أن نية واضعي الاتفاقية بشأن الحق في الإضراب عمومًا لم تكن واضحة بما يكفي لحسم الجدل من خلال الأعمال التحضيرية وحدها.
لكن المحكمة عادت ووسّعت مقاربتها من خلال قراءة الاتفاقية في ضوء قواعد القانون الدولي ذات الصلة، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وخلصت إلى أن حماية الحق في الإضراب تندرج ضمن حماية حرية تكوين الجمعيات، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية التي تتيح للعمال ومنظماتهم الدفاع عن مصالحهم بصورة جماعية ومنظمة.
كما درست المحكمة السوابق القضائية والأحكام الإقليمية ذات الصلة، بما في ذلك الأطر القانونية الأفريقية والعربية والأوروبية والأميركية، واعتبرت أن الاتجاه المشترك لهذه المرجعيات يعزّز تفسيرها للاتفاقية رقم 87، ويؤكد أن حرية تكوين الجمعيات لا تقتصر على الحق الشكلي في إنشاء النقابات، بل تشمل أيضًا القدرة الفعلية على ممارسة أدوات العمل النقابي، وفي مقدمها الإضراب.
وأكدت المحكمة، في الوقت نفسه، أن استنتاجها لا يعني أنها تحدد بصورة نهائية المضمون الدقيق لحق الإضراب أو نطاقه أو الشروط القانونية لممارسته، مشيرة إلى أن هذه المسائل تبقى مرتبطة بالأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها، وبالقيود التي يمكن أن تفرضها الدول ضمن حدود القانون والمعايير الدولية.
وقبل الدخول في جوهر المسألة، شددت المحكمة على اختصاصها بالنظر في السؤال المطروح عليها، معتبرة أنه سؤال قانوني واضح. وأكدت أنها ليست مدعوة إلى إعادة صياغة السؤال أو توسيع نطاقه، بل إلى الإجابة تحديدًا عما إذا كان الحق في الإضراب محميًا بموجب الاتفاقية رقم 87.
وصدر الرأي الاستشاري بأغلبية 10 أصوات مقابل 4، إذ صوّت لمصلحة تكريس حماية حق الإضراب كل من رئيس المحكمة القاضي إيواساوا، ونائبة الرئيس القاضية سيبوتيندي، والقضاة بهانداري ونولتي وتشارلزورث وبرانت وغوميز روبليدو وكليفلاند وأوريسكو وتلادي. في المقابل، صوّت ضد الرأي القضاة تومكا وأبراهام وشوي وحمود.
ويكتسب هذا الرأي الاستشاري أهمية خاصة لأنه يأتي بعد سنوات من الجدل داخل منظومة العمل الدولية حول ما إذا كانت الاتفاقية رقم 87 تحمي حق الإضراب صراحة أو ضمنًا. فمع أن نص الاتفاقية لا يستخدم عبارة “الإضراب” بشكل مباشر، فإن منظمات نقابية دولية اعتبرت تاريخيًا أن حرية تكوين الجمعيات لا تكتمل من دون الاعتراف للعمال بحقهم في التوقف الجماعي عن العمل دفاعًا عن مطالبهم، بينما كانت جهات أخرى ترى أن الاتفاقية لا تنص صراحة على هذا الحق وتترك تنظيمه للقوانين الوطنية.
ومن هنا، يشكّل موقف محكمة العدل الدولية محطة مرجعية في هذا النقاش، لأنه يمنح الحركة النقابية الدولية سندًا قانونيًا قويًا في مواجهة محاولات تضييق الحق في الإضراب أو إخضاعه لقيود مفرطة. كما أنه يعزز موقع لجان الخبراء والهيئات المختصة في منظمة العمل الدولية، التي طالما قاربت الاتفاقيات المصادق عليها من زاوية تطبيقها في القانون والممارسة، مع مراعاة تنوع الأنظمة القانونية والوقائع الوطنية.
وبالنسبة إلى لبنان، يحمل هذا التطور بعدًا إضافيًا، في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي ضاعفت الضغوط على العمال والمستخدمين وموظفي القطاع العام خلال السنوات الأخيرة. فمع تآكل القدرة الشرائية، وتراجع الضمانات الاجتماعية، وتوسع النزاعات المرتبطة بالأجور والرواتب وشروط العمل، يكتسب الاعتراف الدولي بحماية حق الإضراب أهمية مباشرة في النقاش الداخلي حول حدود التحرك النقابي وحق العاملين في الدفاع عن مطالبهم.
ويأتي بيان “فيناسول” في هذا السياق ليضع القرار في إطاره اللبناني، بوصفه أداة دعم للحريات النقابية ولحق التنظيم، لا سيما في القطاعات التي غالبًا ما تواجه قيودًا إدارية أو سياسية عند اللجوء إلى الإضراب. كما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول ضرورة مواءمة التشريعات والممارسات الوطنية مع المعايير الدولية، بما يضمن التوازن بين انتظام المرافق العامة من جهة، وحماية حقوق العاملين والموظفين من جهة أخرى.
وبعد دراسة منطق المحكمة، رحّب الاتحاد بما وصفه بالأغلبية الساحقة التي صدرت بها النتيجة، معتبرًا أن الرأي الاستشاري سليم قانونيًا وواضح، ومن المرجح أن يصمد أمام اختبار الزمن، لما يقدمه من تفسير يعيد تثبيت العلاقة العضوية بين حرية التنظيم النقابي وحق الإضراب كوسيلة أساسية من وسائل الدفاع الجماعي عن الحقوق

