بعد نحو شهر ونصف على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى وقف إطلاق نار بين إسرائيل و”حزب الله”، تبدو الجبهة الجنوبية أبعد ما تكون عن التهدئة. فالميدان الذي وُعد بالاستقرار تحوّل تدريجياً إلى ساحة اشتباك يومي، تتداخل فيها المسيّرات الانتحارية، الغارات، التوغلات، والإنذارات المتواصلة، فيما يتحدث الإسرائيليون اليوم بصراحة عن “حزام أمني” جديد داخل الأراضي اللبنانية.
وبحسب تقرير للصحافيين نينا فوكس، إليشع بن كيمون وليئور بن آري في صحيفة “يدعوت احرونوت” العبرية، فإن “اتفاق وقف إطلاق النار” الذي أُعلن في 16 نيسان الماضي لم يصمد عملياً سوى أيام قليلة، قبل أن تبدأ المواجهات بالتدحرج مجدداً على طول ما بات يُعرف إسرائيلياً بـ”الخط الأصفر”، أي المنطقة التي أبقى الجيش الإسرائيلي قواته داخلها في جنوب لبنان.
وأشار التقرير إلى أن “حزب الله” واصل خلال الأسابيع الماضية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والدرونز المفخخة باتجاه القوات الإسرائيلية والمستوطنات الشمالية، فيما ردّ الجيش الإسرائيلي بسلسلة غارات استهدفت جنوب لبنان ثم توسعت لاحقاً إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
ووفق المعطيات الإسرائيلية، قُتل 11 جندياً إسرائيلياً منذ بدء “الهدنة”، بينما سُجلت خلال الساعات الأخيرة فقط أكثر من 150 غارة استهدفت بنى تحتية ومقاتلين تابعين لـ”حزب الله” في صور والنبطية والبقاع، بالتزامن مع سقوط طائرات مسيّرة مفخخة قرب منطقة شلومي شمال فلسطين المحتلة.
ولفت التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي أصدر أيضاً إنذارات إخلاء لسكان مدينة صور ومحيطها، حيث دعا المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي السكان إلى التوجه شمال نهر الزهراني تمهيداً لغارات مرتقبة.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن نقطة التحول الأساسية جاءت في 18 نيسان، حين بدأ الجيش الإسرائيلي بتكريس ما سماه “الخط الأصفر” داخل الأراضي اللبنانية، وهو شريط يمتد في المناطق التي سيطر عليها خلال العمليات البرية الأخيرة، ويضم 55 قرية لبنانية لا يزال سكانها ممنوعين من العودة إليها.
وأوضح التقرير أن الجيش الإسرائيلي يقسم نطاق انتشاره إلى 3 خطوط: “الخط الأحمر”، “الخط الأصفر”، و”خط الليطاني”، في مؤشر إلى محاولة فرض واقع أمني جديد جنوب لبنان شبيه بالنموذج الذي اعتمدته إسرائيل سابقاً في قطاع غزة.
وفي 24 نيسان، أعلن ترامب تمديد وقف إطلاق النار 3 أسابيع إضافية، إلا أن الإعلان تزامن مع إطلاق 4 صواريخ باتجاه مستوطنة شتولا في الجليل الغربي، ما كشف سريعاً حجم الفجوة بين المسار السياسي والواقع الميداني.
وفي اليوم التالي، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجيش بـ”الرد بقوة” بعد استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، لتبدأ بعدها موجة غارات إسرائيلية واسعة على الجنوب اللبناني، شملت استهداف سيارات ودراجات نارية ومنصات إطلاق صواريخ.
غير أن التطور الأخطر، وفق التقرير، كان في 26 نيسان، مع تصاعد استخدام “حزب الله” للطائرات المسيّرة الانتحارية المرتبطة بالألياف البصرية، وهي مسيّرات يصعب التشويش عليها إلكترونياً. وفي ذلك اليوم قُتل الجندي الإسرائيلي عيدان فوكس (19 عاماً)، قبل أن يرتفع عدد قتلى الجيش الإسرائيلي لاحقاً إلى 11 جندياً خلال فترة “الهدنة”.
وأشار التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ لاحقاً بتوسيع عملياته نحو البقاع اللبناني، حيث استهدف في 27 نيسان منشآت لتخزين وتصنيع الأسلحة ومنصات صاروخية، في أول قصف إسرائيلي لعمق لبنان منذ أسابيع.
أما في 6 أيار، فانتقلت المواجهة إلى مستوى جديد مع تنفيذ غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت استهدفت القيادي في “قوة الرضوان” أحمد غالب بلوط، الذي أعلن الجيش الإسرائيلي اغتياله مع عدد من عناصر “حزب الله”.
ومع استمرار التصعيد، شهدت مستوطنات الشمال الإسرائيلي إنذارات متواصلة، فيما تحدث التقرير عن عودة “حالة الطوارئ” إلى البلدات الحدودية، مع إلغاء الدراسة في عدة مناطق وبقاء أطفال داخل الملاجئ لساعات بسبب هجمات المسيّرات.
وفي آخر التطورات، أعلن نتنياهو أن إسرائيل “تعمّق عملياتها في لبنان”، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي “يسيطر على مناطق استراتيجية ويعزز الحزام الأمني لحماية بلدات الشمال”، بالتزامن مع ما وصفه بـ”جهد وطني ضخم” لإيجاد حلول مبتكرة لمواجهة خطر المسيّرات المفخخة.
وفيما لا يزال وقف إطلاق النار قائماً رسمياً على الورق، تكشف الوقائع الميدانية أن الجنوب اللبناني دخل عملياً مرحلة استنزاف مفتوح، تتراجع فيها فعالية التفاهمات الدولية أمام إيقاع النار اليومي وحدود الاشتباك المتحركة.

