تكشف روايات عسكرية إسرائيلية تفاصيل عملية مركّبة ومعقّدة أدت إلى السيطرة على بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان، في مشهد يعكس طبيعة المواجهة الميدانية القائمة، حيث تداخلت العمليات الخاصة مع الضربات الدقيقة لفرض واقع عسكري جديد على الأرض.
وبحسب تقرير للصحافي إليشع بن كيمون في موقعي “يديعوت أحرونوت”، فإن العملية التي قادتها وحدة “إيغوز” التابعة للجيش الإسرائيلي اعتمدت على مزيج من “الخداع والعمل القتالي الجراحي”، ما أدى إلى محاصرة مقاتلي حزب الله داخل البلدة التي تُعد من أبرز معاقله في الجنوب.
وتكتسب بنت جبيل رمزية خاصة في الصراع، إذ تُعرف بـ”عاصمة حزب الله”، وشهدت سابقًا معارك بارزة خلال حرب تموز 2006، ما جعلها هدفًا مركزيًا في العمليات الحالية. ويشير التقرير إلى أن قوات الفرقة 98، إلى جانب وحدة “إيغوز”، تمكنت من القضاء على أكثر من 100 عنصر من حزب الله خلال المعركة.
ويشرح قائد الوحدة، المقدم “م”، أن الخطة اعتمدت على 3 محاور أساسية: تنفيذ غارة على عناصر حزب الله داخل مستشفى في البلدة كان يُستخدم كمركز ثقل، عزل المنطقة الشمالية لمنع وصول تعزيزات أو انسحاب المقاتلين، والتقدم نحو مركز رئيسي آخر في بلدة عيناتا حيث جرى الاشتباك مع عدد كبير من العناصر. هذه الخطوات أدت إلى تطويق المقاتلين ومنعهم من تلقي الدعم أو الفرار.
في موازاة ذلك، ركّزت العمليات على تدمير البنية التحتية التي يستخدمها حزب الله، وفق ما يُعرف داخل الجيش الإسرائيلي بإجراء “السقف-الأرض”، والذي يشمل تدمير المباني والأنفاق والمساحات تحت الأرض بشكل منهجي. ويقول أحد قادة الوحدة إن الحزب حوّل القرى الجنوبية إلى مواقع عسكرية متقدمة، مستفيدًا من البيئة المدنية لإقامة مراكز قيادة ومستودعات أسلحة.
وقبل بدء الهجوم الواسع، نفذت وحدة “إيغوز” عمليات تسلل عميقة داخل القرى الجنوبية، بينها بيت ليف وياطر، حيث بقيت القوات في الميدان لمدة 90 ساعة متواصلة، بهدف إضعاف خطوط الدفاع وتحضير الأرضية لدخول القوات الرئيسية.
وفي إحدى العمليات النوعية في بلدة دير سريان، تسللت قوة خاصة ليلًا لمسافة تقارب 3 كيلومترات عبر تضاريس معقدة، ووصلت إلى مقاتلي حزب الله من اتجاه غير متوقع. ويصف التقرير حالة المفاجأة التي أصابت العناصر، إذ لم يسمعوا أي دبابات أو طائرات، قبل أن يُقتل 5 منهم في اشتباك مباشر من مسافة قريبة.
كما تمكنت الوحدة من تحديد مسار إمداد حيوي يُستخدم لنقل مقاتلين وذخائر، وحوّلته إلى “كمين قاتل” عبر نشر قناصة داخل منزل مموّه، حيث جرى تنفيذ عمليات قنص دقيقة من مسافة 650 مترًا، أسفرت عن مقتل عدد من العناصر.
لاحقًا، ومع اتساع دائرة الاشتباك، استخدمت القوات طائرات مسيّرة هجومية وأخرى انتحارية داخل المباني، ما أدى إلى مقتل 5 عناصر إضافيين، بحسب الرواية الإسرائيلية.
ويشير التقرير إلى أن الضغط المتواصل أدى إلى تراجع الحالة المعنوية لدى مقاتلي حزب الله، الذين باتوا، وفق القادة الميدانيين، في حالة حصار وطلبوا دعمًا من قياداتهم، في وقت كانت فيه القوات الإسرائيلية تسيطر على طرق الوصول إلى البلدة.
ويؤكد قادة الوحدة أن السيطرة على بنت جبيل جاءت نتيجة “الخدعة والضغط المتواصل”، معتبرين أن ما جرى سيجعل من الصعب إعادة استخدام المنطقة كنقطة انطلاق عسكرية مستقبلًا.
في المقابل، تعكس هذه الرواية الإسرائيلية محاولة لتكريس معادلة ميدانية جديدة في جنوب لبنان، تقوم على منع إعادة بناء قدرات حزب الله، وهو ما يضع المنطقة أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث يبقى الميدان مفتوحًا على احتمالات التصعيد أو تثبيت توازنات جديدة بقوة النار.

