بينما تبثّ الولايات المتحدة وإيران أجواء ارتياح حيال الاتفاق الذي جرى توقيعه، يعيش سكان شمال إسرائيل شعورًا معاكسًا تمامًا. فهناك، قرب الحدود مع لبنان، تتصاعد المخاوف من أن تكون تل أبيب قد تخلّت مجددًا عن أمنهم، هذه المرة لمصلحة حسابات سياسية وإقتصادية مرتبطة بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وسط قلق متزايد من أن يتحول الهدوء على الحدود إلى مقدمة لجولة أكثر خطورة مع حزب الله.
وبحسب تقرير للصحافي يائير كراوس في موقع “ynet” وصحيفة “يديعوت أحرونوت”، استيقظ سكان الشمال، أمس الإثنين، على شعور بأن الواقع الأمني الجديد في ظل الاتفاق مع إيران خطير، وأنه يعيد حياتهم إلى دائرة الخطر في مواجهة حزب الله، الذي يقول التقرير إنه يسعى إلى القضاء على دولة إسرائيل ويقدّم نفسه أكثر تصميمًا من أي وقت مضى.
وقال موران دادوش، من موشاف غورين في الجليل الغربي، لـ”ynet” و”يديعوت أحرونوت”: “استيقظت مع شعور بالخيانة، ليس من إيران ولا من حزب الله، بل من دولة إسرائيل وحكومة إسرائيل”.
وأوضح دادوش: “بينما يوقّعون في عواصم العالم اتفاقات ويعلنون وقف إطلاق النار، نحن، سكان الشمال، نبقى مع الأسئلة الصعبة: من سيضمن أمننا؟ من سيمنع الحرب المقبلة؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا عاد التهديد إلى السياج؟”. وأضاف أنه يشعر، كما في جولات وقف إطلاق النار السابقة منذ تشرين الثاني 2024، حين توقفت الحرب من دون تحقيق حسم ثابت، بأن “سكان الحدود هم أول من يدفع الثمن وآخر من يحصل على إجابات”.
وفي ظل التقارير عن أن الاتفاق قد يتضمن انسحابًا إسرائيليًا من لبنان، بدأ سكان لبنانيون، بحسب التقرير، محاولة العودة إلى مناطق في جنوب البلاد. وخلال مؤتمر صحافي عقده مساء أمس، تعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلًا: “سنبقى في الأحزمة الأمنية طالما كان ذلك مطلوبًا لحماية دولتنا. بعد 7 تشرين الأول وضعت مبدأ بسيطًا: إسرائيل لن تسمح لمنظمات مسلحة بالاستعداد لمجزرة قرب مواطنينا. اليوم يقف مقاتلو الجيش الإسرائيلي الأبطال حاجزًا بين المسلحين ومواطنينا”.
لكن في مستوطنات خط المواجهة، وبموازاة تصريحات نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس وقادة الجيش الإسرائيلي، تتزايد المخاوف من انهيار خط الدفاع، ومن التداعيات العميقة لتسليم أمن إسرائيل إلى مصالح سياسية وإقتصادية داخل إدارة ترامب.
وأكد أساف لنغلبن، رئيس المجلس الإقليمي للجليل الأعلى، أن المسؤولية عن أمن سكان الحدود تقع على عاتق دولة إسرائيل وحدها.
وقال: “اختبارنا ليس في التصريحات حول الاتفاقات بل في الأفعال”. وأضاف: “بعد ما يقارب 3 سنوات من الحرب، سئم سكان الجليل الأعلى من الوعود ويطالبون بشيء واحد: أمن حقيقي يسمح لهم بالعودة إلى حياة طبيعية. يجب على الجيش الإسرائيلي أن يبقى في خط المواقع في جنوب لبنان وأن يعمل بحزم لمنع أي محاولة للمساس بمستوطنات الشمال. فقط الوجود، والإنفاذ، والعمل الحازم، ستضمن ألا يتكرر واقع 7 تشرين الأول على أي حدود في دولة إسرائيل”.
وفي إصبع الجليل، حذّر السكان أيضًا من العودة إلى المفاهيم الأمنية القديمة التي سبقت الحرب. وقالت عوفري إلياهو – ريموني، وهي من سكان يسود همعلاه، إن معادلات الردّ المتناسب هي الخطر الأكبر على الردع. وأضافت: “الحدود الهادئة هي حدود خطرة. هذا مفهوم كان يجب أن يتحطم في 7 تشرين الأول، لكن للأسف نحن نعود مرة تلو أخرى إلى المعادلة نفسها: الهدوء يقابله هدوء، وإطلاق النار باتجاه دولة إسرائيل يقابله رد متناسب”.
وعلى خلفية خيبة الأمل من نتنياهو، قالت إلياهو: “يجب أن نفهم أن المعادلات هي أخطر شيء، فهي تمس بالردع الإسرائيلي وتدمّر كل فرصة لمستقبل أفضل. بصفتي من سكان إصبع الجليل، أؤمن بأن الانتخابات المقبلة ستُحسم على موضوع لبنان. علينا نحن السكان أن نضمن أن يضع جميع اللاعبين السياسيين التحدي عند الحدود الشمالية في رأس سلّم الأولويات، لأن هذا ما سيحدد المستقبل الأمني – السياسي لدولة إسرائيل”.
وأضافت إلياهو: “إذا عرفنا كيف نستثمر بالشكل الصحيح الإنجازات العسكرية، ونخلق فهمًا دوليًا بأن منطقة عازلة في جنوب لبنان هي مصلحة إقليمية، يمكننا أن نضمن أمن المواطنين، وبأيدٍ متشابكة مع لاعبين دوليين إضافيين سننجح في خلق مستقبل أفضل لمواطني لبنان ومواطني إسرائيل”.
وفي المقابل، عبّر مسؤولون كبار في إسرائيل عن ارتياحهم للوضع في لبنان من زاوية الاتفاق. وقالوا: “ضغط إيران علينا للانسحاب لم ينجح. لقد تلقوا رفضًا كاملًا. الآن ستكون الكرة في ملعب حزب الله”. وأضافوا: “إذا لم يطلق حزب الله النار، فهو يسلّم بحزام أمني إسرائيلي، وهذا إنجاز هائل بالنسبة إلينا. إسرائيل ستواصل تنظيف البنى التحتية في المناطق التي لا يجلس فيها حزب الله. مقارنة بالمكان الذي كنا فيه قبل 3 أشهر، من الواضح أن هذا تغيير نحو الأفضل”.
ومع ذلك، قدّر هؤلاء المسؤولون أن الوضع في جنوب لبنان لن يصمد طويلًا، وقالوا: “سيكون صعبًا جدًا على حزب الله أن يتقبل الاعتراف بالسيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان، فيما هو لا يفعل شيئًا حيال ذلك. هذه إهانة كبيرة بالنسبة إليه. إذا أطلق النار باتجاه الأراضي الإسرائيلية، فستضرب إسرائيل الضاحية. حزب الله هنا في مأزق، فمن جهة يريد وقف إطلاق النار لأن استمرار القتال يشكّل تحديًا له، ومن جهة أخرى فإن وقف إطلاق النار من دون انسحاب إسرائيل هو عار بالنسبة إليه، لأنه بذلك لا يدافع عن جنوب لبنان ويسلّم بسيطرة إسرائيلية حتى شمال الليطاني”.
وتطرّق رئيس مجلس المطلة، دافيد أزولاي، إلى الكلام الذي أدلى به نتنياهو مساء أمس، وقال: “صُدمت من حماسة التصريحات والوعود، وبشكل خاص من الإهمال المستمر تجاه مواطني إسرائيل، الموجودين منذ قرابة 3 سنوات في حرب دامية بدأت بالقتل وبالمحرقة الثانية، نتيجة سياسة الاحتواء وإدخال المال القطري إلى غزة. نواصل الحرب في كل الجبهات مع نجاحات كبيرة لشعب إسرائيل والجيش الإسرائيلي، لكنها نجاحات لم تُترجم في المستوى السياسي”.
ودعا أزولاي نتنياهو إلى “أن يأتي ويرى عن قرب دمار المستوطنات، والسكان، والمغادرة، والمواطنين الذين يعيشون صدمة ما بعد الحرب”. وأضاف: “يسعدنا أن نستضيف رئيس الوزراء ليستمع إلى أطفال اختبأوا تحت الطاولات أثناء الإنذارات. حظنا ليس حكومة إسرائيل ولا من يقف على رأسها، بل هذا الشعب المذهل الذي تجنّد وحقق إنجازات عسكرية. عندما ندير إعادة الإعمار مع نحو 70% من الميزانية من التبرعات، فهذا يبيّن مدى انفصال الحكومة ومن يقف على رأسها. هذا يوم أسود وحزين آخر لمواطني الدولة والجليل، طالما أن هؤلاء هم قادتها. نستعد للجولة المقبلة على أمل ألا يكون هناك 7 تشرين الأول هنا عندنا في الشمال. وكل ذلك نتيجة انفصال كامل”.
هكذا، لا يبدو الاتفاق مع إيران في نظر سكان الشمال الإسرائيلي نهاية للقلق، بل بداية لمرحلة جديدة من الأسئلة المفتوحة: من يملك قرار الأمن على الحدود مع لبنان، تل أبيب أم واشنطن؟

