لا صوت يعلو على صوت المعركة والقصف والإنذارات والتفجير والتدمير والتهجير لقرى الجنوب، وبصرف النظر عن توزيع وتلوين المناطق والخطوط من قبل إسرائيل، التي تعلن التزاماً نسبياً بوقف إطلاق النار الذي يبدو أنه، ومن وجهة نظرها، لا يشمل إلاّ بيروت الإدارية، على الأقل لمدة أسبوعين مقبلين.
شبح الحرب الإسرائيلية بات يتقدم على ما عداه من عناوين داخلية وخلافات المقرّات الرئاسية، التي دفعت البلاد إلى حافة هاوية مزدوجة، بين أزمة سياسية تتفاقم بين أركان السلطة، وتصعيد إسرائيلي متدحرج ينذر بخروج الأمور عن السيطرة.
ففي وقت تحتاج فيه الساحة إلى صورة، ولو شكلية، تدلّ على الحدّ الأدنى من التماسك السياسي لمواجهة التحديات الوجودية، تتعمّق الإنقسامات بين بعبدا وعين التينة، ما يضعف موقع الدولة في لحظة تفاوضية دقيقة مع إسرائيل.
في الخلفية، يبرز الدور الأميركي المرتقب مع زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى قصر بعبدا، الذي يعود مجدداً على خط مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل وإشكالياتها المتعدّدة الطابع، فيما يتواصل الحراك الدبلوماسي السعودي والمصري في الكواليس السياسية، ولو من دون ترجمة عملية تسمح بانتقاله إلى محطة جديدة.
وفي قصر بعبدا، إفتقد المشهد حتى اللحظة أي إجماعٍ، رغم صورة مجلس الوزراء مجتمعاً برئاسة الرئيس جوزف عون، الذي تابع مع رئيس الحكومة نواف سلام تطورات الوضع في الجنوب، وتواصل مع سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض، لحثها على العمل بشكل متواصل مع الإدارة الأميركية، للضغط على إسرائيل للإلتزام بوقف إطلاق النار.
وأشار وزير الإعلام بول مرقص بعد اجتماع الحكومة، إلى أن الرئيس سلام، أوضح أن لبنان لم يدخل بعد في المفاوضات، وما زال في مرحلة اللقاءات التحضيرية في واشنطن والأولوية لوقف إطلاق النار.
على الأرض، إشتعل الجنوب على وقع تبادل الضربات بين إسرائيل و”حزب الله”، مع اتساع رقعة الغارات وارتفاع وتيرة الإنذارات والإخلاءات لأكثر من 20 بلدة حتى مساء أمس، ما أدى إلى موجات نزوح جديدة نحو بيروت. وأعلنت قيادة الجيش عن استشهاد عسكري مع عدد من أفراد عائلته بغارة إسرائيلية استهدفت منزلهم في كفرمان في النبطية.
وفي ما بدا كردٍ على المساعي اللبنانية لتثبيت وقف النار، وضغطٍ بالنار على الحكومة، وسّعت إسرائيل من دائرة غاراتها، ودفعت عشرات الجنوبيين إلى النزوح، بالتزامن مع تنفيذ عمليات تفجير للمنازل والبنى التحتية في البلدات والقرى الجنوبية، خصوصاً في الخيام وبنت جبيل والنبطية، إضافةً إلى تفجير نفقٍ في البياضة، هو الثاني بعد نفق القنطرة.
وسط هذا المشهد المأزوم، أتت التعيينات القضائية الأخيرة كمحاولة لإعادة تفعيل مؤسسات الدولة، وتأكيد مبدأ استقلالية القضاء، وإن كانت خطوة محدودة التأثير، إذا لم تُستكمل بإصلاحات أعمق تعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها.

