تتضارب الروايات حول هوية المقاتلة الأميركية التي سقطت داخل إيران، في حادثة تحمل أبعادًا عسكرية وسياسية تتجاوز مجرد خسارة ميدانية.
فقد نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤولين أميركيين ترجيحهم أن الطائرة من طراز F-15 Eagle، فيما أعلنت وكالة “تسنيم” الإيرانية أن الدفاعات الجوية أسقطت مقاتلة متطورة من طراز F-35 Lightning II، وتحدثت عن أسر طيارها.
هذا التباين لا يقتصر على توصيف تقني، بل يعكس صراعًا على الرواية وتحديد دلالات الحدث. فالإقرار الأميركي بسقوط F-15، رغم قدراتها العالية، يبقى ضمن الخسائر الممكنة في بيئة عمليات معقدة، خصوصًا أنها ليست طائرة شبحية ويمكن رصدها ضمن منظومات دفاع جوي متقدمة.
أما الحديث عن إسقاط F-35، فيحمل أبعادًا مختلفة، إذ يتعلق بطائرة من الجيل الخامس تُعد من أحدث ما أنتجته الصناعات العسكرية الأميركية، وتقوم فلسفتها على التخفي واختراق الدفاعات الجوية دون كشفها.
الفارق بين الطائرتين عنصر أساسي في فهم حجم الحدث. فـF-15، التي دخلت الخدمة منذ سبعينيات القرن الماضي مع تحديثات مستمرة، تُستخدم أساسًا في مهام التفوق الجوي والضربات الثقيلة. أما F-35 فصُممت للعمل في البيئات عالية التهديد، مع قدرة كبيرة على تقليل بصمتها الرادارية ومنظومات استشعار متقدمة تمكّنها من رصد الخصم قبل اكتشافها.
لذلك، فإن تأكيد إسقاط F-35 – في حال ثبوته – سيحمل تداعيات تتجاوز الخسارة الميدانية، ليصل إلى مستوى التأثير على صورة التفوق التكنولوجي الأميركي، وقد ينعكس على حسابات الردع في المنطقة.
في المقابل، تبدو الرواية الأميركية أكثر تحفظًا في تحديد نوع الطائرة وتفاصيل الحادث، وهو نهج معتاد في التعامل مع حوادث عسكرية حساسة، خاصة في ظل غياب أدلة ميدانية مستقلة.
أما الرواية الإيرانية، فتتسم بنبرة تصعيدية تعكس سعيًا لإظهار القدرة على مواجهة أحدث المنظومات العسكرية الغربية، في سياق الحرب الدائرة وما تحمله من أبعاد نفسية وإعلامية.
وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة أطلقت عملية بحث وإنقاذ للطاقم باستخدام مروحيات “بلاك هوك” وطائرات نقل عسكرية، ما يعزز فرضية سقوط الطائرة داخل نطاق معادٍ، غير أن نتائج العملية لا تزال غير واضحة في ظل تضارب المعلومات.
في المحصلة، يتجاوز الجدل مسألة تحديد نوع المقاتلة إلى معركة أوسع على السردية، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت روايته. وبين حديث عن إسقاط مقاتلة تقليدية وآخر عن إسقاط أحدث طائرة شبحية في الترسانة الأميركية، تبقى الحقيقة مرهونة بأدلة مستقلة قد تحسم الجدل لاحقًا.

