كتب خضر فرحات في موقع Jnews Lebanon
دخلت الأروقة الدبلوماسية اللبنانية نفقاً مظلماً غير مسبوق في تاريخ علاقات بيروت الخارجية، عقب القرار الحاسم الذي اتخذته وزارة الخارجية بطلب مغادرة السفير الإيراني للأراضي اللبنانية. ومع تصاعد حدة السجالات، رفعت طهران سقف المواجهة إلى أقصاه بإعلان الخارجية الإيرانية رسمياً “استمرار السفير في أداء مهامه ببيروت”، في خطوة تضرب بعرض الحائط قرار الحكومة اللبنانية وتضع هيبة الدولة اللبنانية أمام اختبار سيادي مصيري؛ فالمواجهة اليوم انتقلت من مربع “الاشتباك الدبلوماسي” إلى “التمرد القانوني” المفتوح.
اقرأ أيضاً “جسرٌ جويٌّ مشروط”.. هل بدأت خطةُ “الإمدادِ الإنسانيّ” المباشرِ خارجَ القنواتِ الرسميّة؟
سيفُ “اتفاقية فيينا” والسيادة المسلوبة
من الناحية القانونية الصرفة، تشير القراءة المتأنية لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961) إلى أن لبنان استند في خطوته إلى “أعلى الصلاحيات السيادية” الممنوحة للدول المضيفة بموجب المادة التاسعة. هذه المادة تمنح وزارة الخارجية الحق المطلق في إبلاغ الدولة المرسلة بأن رئيس بعثتها أصبح “شخصاً غير مرغوب فيه” (Persona non grata). وبناءً على هذا المعطى التقني، فإن الشرعية الدبلوماسية للسفير تسقط فور صدور البلاغ الرسمي، مما يجرده من “حق البقاء” القانوني، ويحول استمراره في منصبه إلى خرق صريح للأعراف الدولية التي تفرض على طهران استدعاءه فوراً، لا الإصرار على بقائه كما أعلنت خارجيتها مؤخراً.
وهمُ الحصانة وساعة الصفر القانونية
وعلى عكس ما يروج له البعض حول إمكانية “رفض” السفير للقرار، فإن القاموس الدبلوماسي لا يعرف حقاً للرفض المادي؛ ذلك أن صفة السفير تُستمد حصراً من قبول الدولة المضيفة لوجوده. وبحسب مصادر حقوقية مطلعة لموقع JNews Lebanon، فإن الحصانة الشخصية التي يتمتع بها السفير تبدأ بالتحلل بمجرد انتهاء المهلة الممنوحة للمغادرة. وفي حال الإصرار الإيراني على إبقاء السفير بعد سحب الاعتراف الرسمي به، فإنه يتحول من “دبلوماسي محصّن” إلى “مواطن أجنبي عادي” يخضع للقوانين المحلية، بما في ذلك إمكانية الملاحقة القضائية أو الترحيل، ما لم يجد ملاذاً جغرافياً يحميه من يد السلطة اللبنانية.
اقرأ أيضاً “إعدامُ” الليرةِ بدأ.. مَن سَحَبَ “أوكسجينَ” الدولارِ لإطعامِ الحرب؟
ثغرةُ “حرم السفارة” والملاذ الميداني
هنا تبرز “التخريجة” التي تراهن عليها طهران وحلفاؤها المحليون للالتفاف على القرار السيادي اللبناني. فبموجب المادة (22) من الاتفاقية ذاتها، تتمتع مباني البعثات الدبلوماسية بـ “حرمة مطلقة” تمنع مأموري الدولة المضيفة من دخولها. هذا المعطى يحول مبنى السفارة الإيرانية في بعبدا من مقر للعمل الدبلوماسي إلى “حِصنٍ سياسي” يمنع الأجهزة الأمنية من تنفيذ الترحيل القسري. وبالتالي، فإن إعلان طهران استمرار عمل السفير يعني عملياً تحويل السفارة إلى منطقة خارجة عن سلطة الدولة اللبنانية، حيث لا الدولة قادرة على الاقتحام، ولا السفير يملك شرعية التحرك خارج تلك الأسوار.
كسرُ الهيبةِ وفائضُ القوة المحلي
إن جوهر الأزمة يتجاوز النصوص المكتوبة ليصطدم بمرارة الواقع الميداني؛ فالمعلومات الخاصة لـ JNews Lebanon تفيد بأن الإصرار الإيراني يستند إلى “فيتو” القوى المحلية الفاعلة، وتحديداً “الثنائي”، الذي يمنح السفير غطاءً سياسياً وأمنياً يفرغ قرار وزارة الخارجية من مضمونه. هذا “الشرط المكسور” يعني عملياً أن السفير تحول بمباركة طهران إلى “لاجئ دبلوماسي” يمارس نشاطه تحت حماية فائض القوة الميداني. هذا الصدام يضع الدولة اللبنانية أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بقرار طهران وفرضها “الأمر الواقع” داخل بيروت، أو المخاطرة بصدام داخلي لاستعادة هيبة السيادة اللبنانية التي باتت رهينة “جدران السفارة”.
في المحصلة، تضع قضية السفير الإيراني لبنان أمام مرآة سيادته المهشمة؛ فبينما تمنح اتفاقية فيينا الدولة اللبنانية حق “الإعدام الدبلوماسي” لأي مبعوث يتجاوز حدود ضيافتها، تبرز “حرمة السفارة” وفائض القوة المحلي كدرعٍ يحمي التمرد على القرار السيادي.
بقاء السفير “بأمر طهران” ليس مجرد تفصيل دبلوماسي، بل هو إعلان صريح بأن القوانين الدولية تسقط عند أعتاب المصالح الإقليمية في بيروت. إنها معركة هيبة الدولة في مواجهة “اللاجئ الدبلوماسي”؛ فإما أن تستعيد مؤسساتنا قدرتها على فرض كلمتها، أو يتحول لبنان رسمياً إلى ساحة تُدار فيها “دبلوماسية التحصّن” بعيداً عن سلطة القانون.

