كتب الدكتور دريد بشرّاوي في نداء الوطن
من نزاع عقاري موضعي إلى مشروع تهجيري للمسيحيين وإشكالية بنيوية تمسّ دولة القانون
لم تعد الوقائع المبلّغ عنها في عدد من المناطق اللبنانية — ولا سيّما لاسا، العاقورة، تنورين، بعلبك، البقاع الشمالي، ضفاف نهر العاصي، جزين (تل سجد)، كفركلا، البياضة، وبعض المناطق الحدودية الجنوبية — قابلة للقراءة في إطار نزاعات عقارية معزولة أو خلافات فردية يمكن معالجتها عبر الآليات التقليدية للتقاضي المدني. ذلك أن تكرار هذه الوقائع، وتشابه أنماطها، وطبيعة الجهات المتدخلة فيها، يثير فرضية وجود ظاهرة ذات طابع منهجي تمسّ بنية حماية حق الملكية في النظام القانوني اللبناني، ولا سيّما بالنسبة إلى مالكين مسيحيين أفراد وإلى مؤسسات كنسية، في مقدّمها البطريركية المارونية والرهبانيات التابعة لها.
ولا تقتصر المسألة على مجرد نزاعات عقارية ذات طابع تقني أو إداري، بل تبدو — في ضوء تكرارها وتعدد صورها — أقرب إلى ظاهرة مركّبة تتداخل فيها عناصر قانونية وأمنية وإدارية، بما يطرح إشكالية أوسع تتصل بمدى قدرة النظام القانوني اللبناني على ضمان حماية فعلية وغير تمييزية لحق الملكية، وعلى صون مبدأ سيادة القانون في مواجهة ممارسات قد تتجاوز إطار المشروعية.
وقد ازداد هذا الوضع تعقيداً وخطورة في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة في جنوب لبنان، في أعقاب معاودة الميليشيا الايرانية المسلحة فتح جبهة ما يُسمّى بـ«حرب الإسناد»، وهذه المرة في سياق مرتبط بدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إذ تشير الوقائع الميدانية إلى ما يُشتبه بأنه نمط من الممارسات التي قد تفضي عملياً إلى تهجير سكان عدد من القرى المسيحية الحدودية مع إسرائيل، ولا سيّما القليعة، برج الملوك، مرجعيون، راشيا الفخار، علما الشعب، رميش، دبل، عين إبل، والقوزح وغيرها.
وتفيد معطيات متداولة بتكرار إطلاق الصواريخ من محيط هذه القرى أو من جوارها، بما يعرّضها لخطر الردود العسكرية وما قد يرافقها من تدمير للبنى السكنية والمنشآت الحيوية، الأمر الذي يؤدي عملياً إلى دفع السكان المدنيين نحو النزوح أو مغادرة قراهم. وقد ترافق ذلك مع سقوط ضحايا مدنيين، من بينهم الأب بيار الراعي في القليعة وثلاثة شبان في عين إبل. كما تشير شهادات ومعلومات متداولة إلى حالات توتر بين الأهالي والجهات المليشياوية التي تقوم بإطلاق الصواريخ من محيط القرى، في ظل غياب تام وواضح للدور الفعلي للأجهزة الرسمية، ولا سيّما الجيش اللبناني، سواء في منع استخدام القرى كمنصات لإطلاق الصواريخ أو في توفير الحماية الكافية للسكان المدنيين. وقد أفادت بعض المعطيات أيضاً بوجود تهديدات أو ضغوط تُمارَس على السكان لحملهم على مغادرة قراهم، بما يعزّز الشبهات حول وجود سياسة تهجيرية غير معلنة.
وفي موازاة هذا البعد الأمني، تُثار ادعاءات تتعلق بمجموعة من الممارسات التي تتجاوز إطار المنازعة العقارية التقليدية، من بينها: وضع اليد على عقارات بالقوة خارج الشرعية القانونية، منع المالكين من الوصول إلى أملاكهم، فرض أمر واقع ميليشياوي مادي طويل الأمد، التلاعب بالقيود والسجلات العقارية، التزوير والاحتيال، الادعاء بوجود قرارات قضائية أو إدارية غير صادرة عن المرجع المختص، توظيف محاكم مذهبية خارج نطاق اختصاصها القانوني، فضلاً عن شبهات فساد إداري أو إساءة استعمال السلطة.
وإذا ثبتت هذه الوقائع، فإنها لا تشكّل مجرد اعتداءات على حقوق فردية، بل تمسّ مباشرة عدداً من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني اللبناني، وفي مقدّمها مبدأ المشروعية، وحصرية السلطة العامة في استعمال القوة، واستقلالية القضاء، وسلامة النظام العقاري.
ويُضاف إلى ذلك بُعد مؤسسي ذو خطورة خاصة يتمثّل في إعادة اعتماد وزير المالية التابع لحركة أمل لتعميم إداري صادر عام 2015 عن وزير المالية السابق علي حسن خليل التابع للجهة الحزبية ذاتها، وهو تعميم تمس آثاره بالنظام القانوني لبعض الأملاك العقارية الجماعية والمشاعات العائدة لقرى مسيحية في جبل لبنان، عبر ضمّها أو إعادة تصنيفها ضمن الملكية العامة أو ضمن أملاك الدولة. وقد يطال هذا الإجراء، وفق ما يُثار من تساؤلات قانونية، ممتلكات خاصة عائدة لمؤسسات كنسية مارونية ولمالكين مسيحيين، ولا سيّما في جبل لبنان.
ويطرح هذا التعميم إشكاليات دستورية وقانونية جوهرية تتعلق بمدى احترامه للضمانات الدستورية لحق الملكية، ولا سيّما ما كرّسه الدستور اللبناني في مادته الخامسة عشرة من حماية الملكية الخاصة وعدم جواز نزعها إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل. كما يثير تساؤلات حول مدى تقيده بمبادئ المشروعية وتدرّج القواعد القانونية وعدم رجعية القرارات الإدارية ووجوب احترام الحقوق المكتسبة، فضلاً عن مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة السابعة من الدستور اللبناني.
ولا تنحصر خطورة هذه المسائل في بعدها العقاري أو الطائفي، بل تمتد إلى صميم مفهوم دولة القانون. فالدولة التي تقوم على سيادة القانون يفترض أن تضمن حماية أمنية فعلية لجميع مواطنيها، ولا سيّما سكان القرى المسيحية المهددة في جنوب لبنان، وأن تكفل حماية الملكية الخاصة — أياً يكن مالكها — بقوة النصوص الدستورية والقانونية، وبواسطة قضاء مستقل وفعّال. كما يفترض أن تكون هذه الحماية متّسقة مع التزامات لبنان الدولية في مجال حقوق الإنسان، ولا سيّما ما يتعلق بحماية حق الملكية والحق في المحاكمة العادلة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، تسعى هذه الخطة المقترحة إلى:
1. إعادة توصيف الوقائع توصيفاً قانونياً دقيقاً يميّز بين النزاع المدني، والجرم الجزائي، والانحراف في استعمال السلطة؛
2. تحليل الإطار الدستوري والإداري والجزائي الناظم لحماية الملكية في القانون اللبناني؛
3. تحديد سبل الطعن القضائي المتاحة، سواء أمام القضاء العدلي أو الإداري؛
4. استكشاف إمكان اللجوء إلى الآليات الدولية للحماية عند الاقتضاء؛
5. اقتراح التدابير القانونية والمؤسساتية الكفيلة بضمان حماية فعلية وغير تمييزية لحقوق المالكين المعنيين، في إطار احترام الأصول والإجراءات المرعية والمعايير الوطنية والدولية.
وبذلك تنتقل الخطة التي نعتمدها من مقاربة توصيفية للوقائع إلى معالجة قانونية بنيوية، تُعالج المسألة بوصفها اختباراً حقيقياً لمدى صلابة الضمانات الدستورية، ولمفهوم المساواة أمام القانون، ولقدرة الدولة على صون النظام القانوني للملكية من أي مساس خارج إطار الشرعية وتأمين الحماية لأهالي القرى المهددة.
أولاً: تحليل الحالات الواقعية في ضوء القانون اللبناني
تمهيد منهجي
لتحليل الوقائع المبلّغ عنها يقتضي التمييز بين أربعة مستويات قانونية متداخلة:
1. المستوى الدستوري: حماية الملكية الخاصة وحرية ممارسة الشعائر الدينية؛
2. المستوى المدني والعقاري: حجية القيود العقارية وآليات نقل الملكية؛
3. المستوى الجزائي: تجريم الاعتداء على الأملاك والمالكين وعلى الموظفين العموميين؛
4. المستوى الإداري: مشروعية القرارات والتعاميم الصادرة عن السلطة التنفيذية وإمكان الطعن بها.
وانطلاقاً من هذا التقسيم، يُعاد توصيف الوقائع الآتية:
ألف: لاسا، العاقورة وتنورين: نزاعات عقارية واعتداءات محتملة على ممتلكات كنسية
1. الإطار الوقائعي
تشير المعطيات المتداولة عن نزاعات واسعة النطاق تتصل بعقارات عائدة للبطريركية المارونية ولمالكين أفراد، ومن بينها واقعة تحويل كنيسة سيدة الوردية في لاسا إلى حسينية، قبل تسليم مفتاحها عام 2008 إلى العماد ميشال عون بدل المرجعية المالكة أي البطريركية المارونية.
وبصرف النظر عن الجدل السياسي المحيط بهذه الوقائع، فإن التقييم القانوني ينصرف حصراً إلى ما إذا كان ثمة مساس بحقوق ملكية ثابتة أو بحرية ممارسة الشعائر الدينية خارج الأطر القانونية.
2 ـ المساس بحق الملكية
(أ) في القانون الدستوري اللبناني
تنص المادة 15 من الدستور اللبناني على أن:
“الملكية في حمى القانون، ولا يجوز أن يُنزع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة في الأحوال المنصوص عليها في القانون وبعد دفع تعويض عادل.”
ويستخلص من هذا النص أربعة شروط صارمة:
1. وجود نص قانوني صريح؛
2. تحقق منفعة عامة فعلية؛
3. احترام الإجراءات المحددة قانوناً؛
4. دفع تعويض مسبق وعادل.
وأي وضع يد مادي، أو نقل ملكية غير مستند إلى سند قانوني صحيح، أو مصادرة فعلية de facto دون اتباع إجراءات الاستملاك، يشكل اعتداءً غير مشروع على الملكية.
(ب) في الإطار الدولي
تكرّس المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما المادة الأولى من البروتوكول رقم 1 للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان مبدأ الحماية القانونية للملكية الفردية. وقد أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Sporrong and Lönnroth v. Sweden معيار “التوازن العادل” بين المصلحة العامة وحقوق الفرد، مؤكدة أن أي تدخل يجب أن يكون: قانونياً، مشروع الغاية ومتناسباً.
كما أكدت في قضية Holy Monasteries v. Greece أن ممتلكات المؤسسات الدينية تتمتع بالحماية الكاملة لحق الملكية.
رغم أن لبنان ليس طرفاً في الاتفاقية الأوروبية، إلا أن هذه المبادئ تُستخدم معياراً تفسيرياً في الفقه المقارن.
(ج) في المسؤولية الإدارية
إذا ثبت أن جهة عامة تقاعست عن حماية الملكية أو ساهمت في تكريس وضع غير مشروع، فقد تنشأ مسؤولية الدولة أمام مجلس شورى الدولة استناداً إلى نظرية الخطأ المرفقي أو الامتناع غير المشروع.
3ـ المساس المحتمل بحرية الدين
على الصعيد الوطني تنص مقدمة الدستور اللبناني (الفقرة ج) على احترام الحريات العامة، كما تنص المادة 9 منه على حرية الضمير واحترام الأنظمة الخاصة بالطوائف.
أما على الصعيد الدولي فتنص المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين؛ أضف الى ذلك ان المادة 9 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تفيد بأنه إذا تم تغيير طبيعة مكان عبادة مملوك قانوناً لطائفة دينية دون موافقة الجهة المالكة الشرعية، فقد يُعد ذلك:
• مساساً بحق الملكية؛
• وتدخلاً في ممارسة الشعائر الدينية الجماعية.
والاجتهاد المقارن يربط بين حماية الأملاك الدينية وضمان الحرية الدينية المؤسسية.
4ـ الاعتداء على المساحين وعرقلة مهمة عامة
إذا ثبت حصول اعتداء على مساحين أثناء قيامهم بمهام رسمية، فإن ذلك قد يندرج ضمن:
• جرائم مقاومة أو تعطيل موظف عام أثناء ممارسة وظيفته (المواد 381 وما يليها من قانون العقوبات اللبناني)؛
• جرائم العنف المشدد إذا اقترن الفعل باستخدام القوة.
كما أن عرقلة أعمال التحديد والتحرير تمس بمبدأ الأمن القانوني وبانتظام المرفق العقاري، وهو من المبادئ العامة في القانون الإداري اللبناني المستلهم جزئياً من الفقه الفرنسي.
باء: الاحتلال المادي والاستيلاء العقاري ومخطط تهجير القرى المسيحية في باقي المناطق اللبنانية لاسيما القرى الجنوبية
تشير التطورات الأمنية الأخيرة في جنوب لبنان إلى معطيات ميدانية تثير مخاوف جدية من وجود نمط من الممارسات قد يفضي عملياً إلى تهجير سكان عدد من القرى المسيحية الحدودية مع إسرائيل، ولا سيّما القليعة، برج الملوك، مرجعيون، راشيا الفخار، علما الشعب، رميش، دبل، عين إبل، والقوزح وغيرها. وتفيد المعلومات المتداولة بتكرار إطلاق الصواريخ من محيط هذه القرى أو من جوارها، الأمر الذي يعرّضها لخطر الردود العسكرية وما قد يرافقها من تدمير للمساكن والبنى التحتية، بما يخلق عن سابق تصور وتصميم بيئة أمنية ضاغطة تدفع السكان المدنيين إلى النزوح أو مغادرة مناطقهم.
وفي ظل التوترات المتكررة بين الأهالي والجهات المسلحة التي تستخدم محيط القرى لإطلاق الصواريخ، ومع الغياب الواضح للدور الفعلي للأجهزة الرسمية في منع استخدام المناطق السكنية لأغراض عسكرية أو في توفير الحماية الكافية للسكان المدنيين، تتعزز المؤشرات على وجود سياسة غير معلنة تقوم عملياً على تفريغ هذه القرى من سكانها. وفي هذا السياق، يذهب عدد من التحليلات إلى اعتبار أن هذه الممارسات قد تشكّل جزءاً من مخطط منهجي يستهدف تهجير السكان المسيحيين من القرى الحدودية، بما قد يفتح المجال لاحقاً أمام الاستيلاء على عقاراتهم وتغيير البنية الديموغرافية في هذه المناطق، في إطار ممارسات تُنسب إلى الميليشيا المرتبطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان.
وإزاء خطورة هذه المعطيات وما قد يترتب عليها من آثار ديموغرافية وقانونية بعيدة المدى، تبرز الحاجة إلى بحث السبل والأدوات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بالتصدي لهذا الواقع، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، بهدف وضع حد لهذه الممارسات ومنع تكريس نتائجها على الأرض، بما يضمن حماية السكان المدنيين وصون حقوق الملكية ومنع أي تغيير قسري في البنية السكانية لهذه المناطق.
1ـ في القانون المدني والعقاري
الملكية العقارية في لبنان تخضع لنظام التسجيل العيني، وتتمتع القيود العقارية بقوة ثبوتية مطلقة طالما لم تُبطَل قضائياً.
وعليه:
• لا تنتقل الملكية إلا بعقد صحيح وتسجيله؛
• لا يكتسب واضع اليد ملكية عقار مسجّل إلا وفق شروط استثنائية محددة.
الاحتلال المادي الذي يمنع المالك من الانتفاع بعقاره يشكل:
• تعدّياً (voie de fait)؛
• موجباً لدعوى منع التعرض واسترداد الحيازة والتعويض.
2ـ في القانون الجزائي
يجرّم قانون العقوبات الاعتداء على الملكية العقارية، ولا سيما في حالات:
• التهديد بالقتل وبالاعتداء على السلامة الجسدية، ووقوع جرائم قتل أو محاولات قتل بحق أبناء القرى، فضلاً عن أعمال عنف أو أعمال إرهابية يُدّعى ارتكابها بقصد تهجير السكان وحملهم على مغادرة قراهم تحت وطأة الضغوط المادية والمعنوية والتهديد بالسلاح.
• اغتصاب العقار؛
• التهديد أو العنف لفرض وضع اليد؛
• التزوير في المستندات العقارية.
وفي حال اقتران الفعل بالعنف أو التهديد المسلح، قد يتشدد الوصف الجرمي.
3ـ في القانون الدولي الإنساني
إذا ارتبطت الوقائع بسياق هجوم مسلح، فإن:
• المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النهب؛
• وتُعتبر الاستيلاءات غير المبررة عسكرياً محظورة.
وقد اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية Prosecutor v. Kordić and Čerkez أن التدمير أو الاستيلاء غير المشروع على الممتلكات الدينية في سياق نزاع مسلح قد يشكل جريمة حرب.
ويظلّ تطبيق هذا الإطار القانوني مشروطاً بتوافر عناصر النزاع المسلح وفق التعريف القانوني الدقيق في القانون الدولي الإنساني.
كما أنه، في حال تبيّن وجود مخطّط تهجيري يستهدف فئة من اللبنانيين — ولا سيما المسيحيين — من قراهم، وخصوصاً في جنوب لبنان، بقصد الاستيلاء على ممتلكاتهم العقارية، وإذا ثبت أن هذه الأفعال ترتكب في إطار مخطّط واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد مجموعة من السكان المدنيين، فقد يندرج هذا السلوك ضمن الجرائم ضد الإنسانية المنصوص عليها في المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما جريمة التهجير القسري للسكان أو الاضطهاد على أساس ديني، متى توافرت العناصر القانونية اللازمة لهذه الجرائم.
جيم: التعميم أو القرار الوزاري الصادر في 31 كانون الأول 2015
1ـ الطبيعة القانونية للتعميم
في القانون الإداري اللبناني، يُعدّ التعميم:
• عملاً تنظيمياً داخلياً؛
• أداة تفسير أو توجيه إداري؛
• غير منشئ لحقوق جديدة.
ولا يمكن للتعميم:
• نقل ملكية خاصة إلى الدولة؛
• تعديل الوضع القانوني لعقار مسجّل؛
• إلا استناداً إلى قانون صريح أو مرسوم استملاك أصولي.
2ـ الرقابة القضائية
إذا ترتب على التعميم:
• تعديل فعلي في المعاملة الإدارية؛
• أو حرمان المالك من ممارسة حقه؛
جاز الطعن به أمام مجلس شورى الدولة بدعوى الإبطال لتجاوز حد السلطة، مع طلب وقف التنفيذ عند توافر ركني:
1. الجدية في الأسباب؛
2. الضرر البليغ
3. وهنا لا يكفي ، كما يدّعي البعض، ادخال تعديلات على نص التعميم وانما ابطاله كلياً.
3ـ حدود سلطة السحب
يجيز الفقه الإداري سحب القرار غير المشروع خلال مهلة معقولة.
وقد حدّد مجلس الدولة الفرنسي في قرار Ternon إطاراً زمنياً دقيقاً لسحب القرارات الفردية المنشئة للحقوق.
ورغم اختلاف النظامين، يُستأنس بهذه المبادئ في الفقه اللبناني.
4ـ شروط أي مساس مشروع بالملكية
أي إجراء إداري يمس حق الملكية يجب أن يستوفي:
1. مبدأ الشرعية؛
2. وجود منفعة عامة حقيقية؛
3. مبدأ التناسب؛
4. تعويضاً مسبقاً وعادلاً (مادة 15 من الدستور).
وفي غياب هذه الشروط، يكون القرار مشوباً بتجاوز حد السلطة وقابلاً للإلغاء.
دال: الإطار الدستوري والعقاري الحاكم
يقوم النظام العقاري اللبناني على:
• مبدأ التسجيل العيني؛
• القوة الثبوتية المطلقة للقيود؛
• عدم انتقال الملكية إلا بالتسجيل.
وأي:
• تزوير قيود،
• تعديل غير مشروع للسجل،
• وضع يد دون سند،
قد يرتب:
• مسؤولية مدنية؛
• مسؤولية جزائية؛
• مسؤولية إدارية عند تقصير المرفق العام.
ثانياً: من له الأهلية القانونية للقيام بالإجراءات القضائية (Locus Standi)؟
تُعدّ مسألة الأهلية للقيام بالإجراءات القضائية (الصفة والمصلحة) شرطاً جوهرياً لقبول أي دعوى، وهي تسبق البحث في أساس النزاع. فانتفاء الصفة أو المصلحة يؤدي إلى ردّ الدعوى شكلاً دون الدخول في الموضوع.
في القانون اللبناني، كما في الفقه المقارن، يُشترط لقبول الدعوى:
1. وجود مصلحة مباشرة، شخصية وحالية (intérêt personnel, direct et actuel)؛
2. تحقق ضرر مؤكد أو محتمل بجدية؛
3. توافر الأهلية القانونية والصفة في التمثيل أمام القضاء.
ويستند ذلك إلى المبادئ العامة في قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني، ولا سيما القاعدة المستقرة فقهاً وقضاءً بأن: “لا دعوى بلا مصلحة”.
وتُكرّس المادة 20 من الدستور اللبناني مبدأ حق التقاضي واستقلال السلطة القضائية، فيما تضمن المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحق في اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة.
وقد أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Golder v. United Kingdom مبدأ الحق في الوصول الفعلي إلى محكمة باعتباره عنصراً ضمنياً في ضمانات المحاكمة العادلة.
ألف: الأشخاص المتضررون مباشرة (الجهات ذات الأولوية)
1ـ تحديد الأشخاص المتضررين
يمتلك الصفة والمصلحة المباشرة:
• المالك المُسلب أو المتضرر من الاعتداء؛
• ورثته أو خلفه العام؛
• الشخص المعنوي المالك (كنيسة، أبرشية، مؤسسة، جمعية).
هؤلاء يتمتعون بمصلحة مباشرة وشخصية وحالية، ويُعتبرون قانوناً أصحاب المركز الإجرائي الأقوى.
أ. الأساس الدستوري والمدني
تحمي المادة 15 من الدستور اللبناني حق الملكية، وتُخضع أي نزع ملكية لشروط صارمة (المنفعة العامة، القانون، التعويض المسبق والعادل).
كما يكرّس قانون الملكية العقارية اللبناني مبدأ القوة الثبوتية المطلقة للتسجيل العقاري، بحيث لا يُنازع في الملكية إلا عبر الطعن القضائي بالقيد.
وقد قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Papamichalopoulos v. Greece بأن الاحتلال الطويل الأمد دون سند قانوني يشكّل انتهاكاً مستمراً لحق الملكية حتى في غياب قرار مصادرة رسمي، وهو اجتهاد يُستأنس به في الفقه المقارن عند توصيف الاحتلال المادي الممتد.
ب. الدعوى المدنية
يمكن للمالك مباشرة:
• دعوى الاستحقاق (الدعوى العينية العقارية) لتثبيت الملكية واسترداد العقار؛
• دعوى منع التعرض واسترداد الحيازة عند حصول اعتداء مادي؛
• دعوى التعويض استناداً إلى أحكام المسؤولية التقصيرية في قانون الموجبات والعقود (المواد المتعلقة بالخطأ والضرر والعلاقة السببية)؛
• دعوى الإبطال أمام مجلس شورى الدولة إذا كان مصدر الاعتداء قراراً إدارياً.
ويستند القضاء اللبناني إلى نظرية الخطأ التقصيري الموجب للتعويض متى ثبت:
1. خطأ غير مشروع؛
2. ضرر؛
3. علاقة سببية.
ج. الدعوى الجزائية
في حال توافر عناصر جرمية (اغتصاب عقار، تزوير، استعمال مزور، احتيال، تلاعب بالسجلات العقارية، تهديد، عنف، مقاومة موظفين)، تُطبّق أحكام قانون العقوبات اللبناني المتعلقة:
• بالاعتداء على الأملاك العقارية؛
• بالتزوير واستعمال المزور؛
• بالعنف والتهديد؛
• بمقاومة الموظفين العموميين.
• بجمعية أشرار في حال اكتمال عناصرها الجرمية.
ويجوز للمتضرر الادعاء شخصياً أمام قاضي التحقيق أو المحكمة الجزائية المختصين مكانياً بصفته مدعياً شخصياً (طرفاً مدنياً)، مما يعزز موقعه الإجرائي ويمكنه من المطالبة بالتعويض ضمن الدعوى الجزائية.
باء: المؤسسات الدينية المالكة
أ. الشخصية المعنوية والاستقلالية
تتمتع الأبرشيات، الرعايا، الأديرة، والبطريركيات المعترف بها في النظام اللبناني بالشخصية المعنوية، ولها ذمة مالية مستقلة، وتملك أهلية التقاضي باسمها.
ولا تتوقف أهليتها على أي تفويض خارجي، بل تمارس حقها مباشرة بواسطة ممثلها القانوني.
ب. الأساس الدستوري
تنص المادة 9 من الدستور اللبناني على احترام الدولة للأنظمة الخاصة بالطوائف الدينية وضمان حرية إقامة الشعائر.
ويُفهم من ذلك إقرار الاستقلالية التنظيمية والمالية للمؤسسات الدينية، بما يشمل حقها في حماية ممتلكاتها أمام القضاء.
جيم: المنظمات غير الحكومية
1ـ الشروط العامة
يجوز للمنظمة غير الحكومية التحرك إذا:
• كان نظامها الأساسي ينص صراحة على حماية الحقوق العقارية أو التراث؛
• كانت تمثل ضحايا محددين أو مفوضة منهم؛
• ثبت وجود مصلحة مباشرة متصلة بهدفها الاجتماعي.
فالقانون اللبناني لا يعترف بالدعوى الشعبية المجردة (actio popularis) إلا بنص خاص.
2ـ الفقه المقارن
أقرّ مجلس الدولة الفرنسي في قرار Syndicat des patrons coiffeurs de Limoges مبدأ قبول طعن الجمعيات إذا كان القرار الإداري يمس مباشرة بالمصلحة الجماعية التي أنشئت للدفاع عنها.
وفي المجال الجزائي، لا تُقبل صفة الادعاء الشخصي للجمعيات إلا إذا أجاز القانون ذلك صراحةً (كما في جرائم التمييز أو البيئة أو حماية المستهلك).
هـاء: الدولة اللبنانية
1ـ سلطة الملاحقة الجزائية
الدعوى العامة تعود للنيابة العامة، التي تملك تحريكها تلقائياً عند توافر عناصر الجريمة، عملاً بمبدأ الشرعية والاستنسابية في الملاحقة الجزائية، ويقع على عاتق الدولة اللبنانية تأمين الحماية لأهالي القرى المهددة والمعتدى على أهاليها وعلى عقاراتهم.
ويكون تدخّل الدولة حاسماً وواجباً على وجه الخصوص عند توافر مؤشرات جدية على وجود:
• أفعال جرمية منظمة أو ذات طابع جماعي؛
• تهديدات ترمي إلى حمل سكان القرى على مغادرة منازلهم أو تهجيرهم منها؛
• تهديد بالقتل أو بالاغتيال أو بالاعتداء على السلامة الجسدية أو المعنوية؛
• جرائم قتل أو اغتيال أو محاولات قتل أو اغتيال؛
• قصف القرى بالمدفعية أو بالأسلحة الثقيلة، أو إطلاق النار عليها وعلى سكانها؛
• تزوير في القيود أو المستندات الرسمية؛
• اعتداءات تمسّ بالنظام العام والأمن العام؛
• اعتداءات تُرتكب بواسطة القوة المسلحة أو من قبل قوى أمر واقع ضد المالكين المواطنين وأملاكهم.
2ـ السلطة الإدارية
يمكن للإدارة:
• سحب القرار غير المشروع ضمن مهلة معقولة؛
• تصحيح خطأ إداري؛
• الدفاع عن قراراتها أو الطعن بقرارات صادرة عن سلطات أخرى أمام مجلس شورى الدولة.
ويُلزم مبدأ المشروعية جميع السلطات العامة بالخضوع للقانون، وإلا تعرّضت قراراتها للإبطال لتجاوز حد السلطة.
3ـ التعاون القضائي الدولي
في حال وجود عناصر:
• احتيال عابر للحدود؛
• غسل أموال؛
• تحويلات غير مشروعة؛
يمكن للدولة تفعيل اتفاقيات التعاون القضائي الدولي.
كما يمكن للدولة، عند توافر الشروط القانونية واستيفاء العناصر المؤسسة لجرائم ضد الإنسانية، الاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية وفق المادة 12، الفقرة 3 من نظام روما الأساسي، وطلب تعيين لجنة تحقيق دولية بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو أي هيئة أممية مختصة.
وـ الجهات والآليات الدولية
1ـ المسؤولية الدولية
إذا ثبتت انتهاكات جسيمة لحق الملكية أو لحرية الدين منسوبة إلى الدولة أو نتيجة

