لم يكن قرع جرس منزل الطبيب المشهور في بلدة الجمهور حدثاً عابراً. فتحت خالته المسنّة الباب وبعد أن تأكد من خلفه وجود صاحب البيت في عيادته، تحوّل المكان الى ساحة رعب، وانقلب المشهد بلحظة رأساً على عقب. لبس هؤلاء الأقنعة، شهروا أسلحتهم، كبّلوا الخالة والأولاد القاصرين، وهددوا الجميع بالتزام الهدوء قبل أن يبدأوا بتنفيذ العملية.
دقائقٌ قليلة كانت كافية لتحويل البيت إلى مسرح جريمة، تركت فيه خزنة مخلوعـة، أموالاً مسروقة ومصاغا فاقت قيمتهما المئة ألف دولار، وضحية بوجه محترق… فصول السطو المسلّح سرعان ما قادت التحقيقات فيها إلى شبكة متورطة، انتهت خيوطها عند أقرب المقرّبين.
فور علمه بما جرى، تقدّم المدعي “غ” وهو طبيب معروف، بادعاء فوري لدى فصيلة درك بعبدا ضد مجهول، أفاد فيه أنّ ثلاثة أشخاص أقدموا على الدخول إلى منزله الكائن في محلة الجمهور، وكبّلوا خالته المتواجدة داخله وولديه القاصرين، وقاموا بكسر الخزنة وسرقة الأموال الموجودة بداخلها، وهي عبارة عن سبعين ألف دولار أميركي، وعشرة آلاف يورو، ومجوهرات بقيمة عشرين ألف دولار أميركي.
وبنتيجة مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة بالمنزل، تبيّن حضور ثلاثة أشخاص على متن سيارة جيب نوع رانج روفر تحمل لوحة مزوّرة، وأن اثنين منهم كان بحوزتهما مسدسان حربيان دخلا المنزل ملثّمين. وتبيّن أنّ السيارة مستخدمة من قبل المتهم “مأمون.ج”، كما أظهرت الاستقصاءات أنّ أحد أفراد العصابة المشاركة في السرقة هو المتهم “فادي.ش”. وقد أوقفت دورية تابعة لمكتب المعلومات المتهمين على متن السيارة المذكورة في محلة ظهر البيدر.
اقتيد المتورطون إلى التحقيق، فأفاد “فادي.ش” أنّه على معرفة قديمة بالمتهم “مأمون.ج”، وأنه قام بالاشتراك مع المتهم “محمد.ش” وشخص يدعى “حسن” نفّذوا عملية سلب بقوة السلاح داخل أحد المنازل في منطقة الجمهور، بعد أن علم أنّ المدعي طبيب معروف ويملك أموالاً طائلة. وأوضح أنّهم اتفقوا على تقاسم الأدوار ووضع لوحات مزورة على السيارة، وأنه و”مأمون” قرعا باب المنزل وسألا عن الطبيب، ولما أُبلغا أنه في العيادة ارتديا الأقنعة ودفعا الباب بالقوة ودخلا المنزل، وكانا يحملان مسدسين حربيين، وكبّلا الموجودين في الداخل وهددوهم، ثم أضاءا النور لإعلام المتهم “محمد” بوجوب الدخول وإحضار المنشار الكهربائي لفتح الخزنة، فتمكّنوا من خلعها وسرقة محتوياتها وغادروا إلى منطقة الشويفات حيث تقاسموا المسروقات. وذكر أنّ مهمة المدعو “حسن” اقتصرت على قيادة السيارة والمراقبة دون الدخول إلى المنزل.
وأقرّ “مأمون” بأقوال مطابقة لأقوال شريكه، مؤكداً مشاركتهما مع “محمد” و”حسن” في تنفيذ العملية، وأن اختيار الأخير جاء بسبب خبرته في قصّ الحديد.
بدوره، أفاد الطبيب المدعي أنّه لا يعرف “مأمون”، وهو يعرف “فادي” بالاسم فقط لكونه كان على علاقة بزوجته السابقة المتهمة “ر”، وأن بينه وبين الأخيرة نزاعات وخلافات قضائية، وهي معالجة نفسيّة وقد علِم بوجود شكاوى قضائية بحقها بمواضيع ماليّة وأنها حاولت سابقاً الاستيلاء على أمواله، وأنه يشكّ بها كونها تعلم بوجود الخزنة بحكم العلاقة الزوجية. وأشار إلى أنّ أحد السارقين عاد بعد مغادرته المنزل ورشّ وجه خالته بمادة الأسيد مما تسبب لها بحروق وتقرحات، ويرجّح أن يكون الأمر قد تمّ بطلب من زوجته السابقة كونها على خلاف مع خالته.
وبالتحقيق مع “فادي”، أفاد أنّ المتهمة “ر” كانت على علم بوجود الخزنة، وأنها عبّرت له عن رغبتها بالانتقام من زوجها السابق، وزوّدته بمعلومات عن المنزل، وطلبت منه رشّ الخالة بمادة الأسيد، وأنه أعطاها لاحقاً حصتها من المسروقات البالغة عشرين ألف دولار، مؤكداً أنها هي صاحبة الفكرة بتنفيذ العملية.
في المقابل، أنكرت المعالجة النفسية أي دور لها في التخطيط أو المشاركة أو إعطاء معلومات، وصرّحت أنّ علاقتها بـ “فادي” انتهت قبل وقوع السرقة، وأنها لم تطلب منه إيذاء أحد ولم تتلقَّ أي مبلغ منه. ولدى إجراء مقابلة بينها وبين “فادي” تراجع الأخير عن أقواله، مشيراً إلى أنها لم تكن المحرّضة ولم تتلقَّ منه أي مبلغ مالي.
وبناءً على هذه الوقائع والأدلة، ثبتت مشاركة المتهمين الثلاثة في تنفيذ جناية السلب المسلح، ومسؤولية المعالجة النفسية عن التحريض، فحكمت محكمة الجنايات في جبل لبنان برئاسة القاضي رانيا يحفوف، علناً، بالأشغال الشاقة مدة خمس سنوات على كل من المتهمين الثلاثة بعد تخفيف العقوبة بحقهم من السجن المؤبد، وأنزلت عقوبة الأشغال الشاقة ثلاث سنوات بالمعالجة النفسية.

