جاء في نداء الوطن:
دخل لبنان مدار الزيارة البابوية المنتظرة. أيام وترتسم لوحتان متناقضتان: الأولى ملوّنة بخطوط السلام والاستقرار الذي يتوق إليه اللبنانيون، ويحمله إليهم البابا لاوون الرابع عشر برسالة رجاء ودعم، والثانية ملطّخة بمسارات التصعيد والحرب، المدفوعة من محور “المعاندة” بقيادة طهران. وتشهد بيروت هذا الأسبوع حراكًا دبلوماسيًّا، ينذر بمرحلة دقيقة على صعيد الترسيم والأمن والمفاوضات.
عقب اغتيال رئيس هيئة أركان “حزب الله”، هيثم علي الطبطبائي، برزت مواقف متناقضة كشفت حجم الإرباك داخل “الممانعة”. ففي وقت أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن “طهران لا تتدخل في الشؤون الداخلية للبنان، وأن القرار يعود للبنانيين”، خرج “الحرس الثوري” بتصعيد ناري، متوعّدًا بـ “ردّ ساحق” على إسرائيل، وبثأر “سيأتي في الوقت المناسب”. هذا التباين في الخطاب يعكس مأزقًا مزدوجًا: عجز عن مواجهة إسرائيل ميدانيًا، وضعف أكبر في إقناع جمهور “المقاومة” بأن الأخيرة استعادت عافيتها القيادية وتحصيناتها ضدّ الخرق الأمني.
في هذا السياق، برزت مؤشرات لا يمكن فصلها عن التحول الجاري داخل البيئة السياسية الشيعية قبل غيرها، بدءًا من المعجم الجديد الذي استخدمه “حزب الله” في بيانات النعي. فقد لفت المتابعين تنقل “الحزب” بين المصطلحات، بحيث أسقط في بياناته عبارة “شهيدًا على طريق القدس”، واستعاض عنها بمفردة جديدة هي “شهيدًا فداءً للبنان وشعبه”. هذا التحول يُقرأ كاستجابة لحالة التململ الواسعة داخل الطائفة، والرافضة للانخراط في مسارات صدامية، تتجاوز حدود الدولة وتفرض عليها أثمانًا كارثية، والمطالبة بالعودة إلى فكر الإمام محمد مهدي شمس الدين، القائم على مبدأ الدولة الجامعة التي تُدمج فيها الطائفة الشيعية بلا مشروع موازٍ أو خصوصية فوق الدولة.
التحوّل في لغة المصطلحات لم يأتِ من فراغ، بل مهّد له “توأم” الحزب السياسي، رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أصدر بيانًا لافتًا في الشكل والمضمون عقب استهداف بلدة الطيري وإصابة حافلة تقلّ طلابًا. ففي بيانه، دعا بري صراحة إلى رفع شكوى أمام مجلس الأمن الدولي، لكنه في المقابل تجاهل كليًّا الإشارة إلى الغارة الإسرائيلية التي استهدفت مقرًّا لحركة “حماس” في مخيم عين الحلوة، متجنبًا ذكرها تمامًا. وتشير مصادر مطلعة إلى أن قيادة “حماس” أجرت مراجعات عاجلة في هذا الشأن، لكنها لم تتلق أي جواب، سوى الصمت.

