كتب جاد هاني في المدن:
منذ عقودٍ ودواء اللبنانيين عالقٌ بين عقدة الاستيراد المكلف والصعوبات الجمّة المتربصة بالصناعة المحليّة محدودة الحجم، لكنّ الانهيار الماليّ الأخير عرّى الخلل وأعاد خلط الأوراق. فمع شحّ الدولار تراجعت المستوردات، فتمدّد المنتج المحلّيّ إلى نحو 40 في المئة من السوق، رافعًا سؤالًا ملحًّا: كيف يمكن لدواءٍ “صنع في لبنان” أن يكون أحيانًا أغلى من نظيره الأجنبيّ؟
تطوّر القطاع الدوائيّ المحلّي
بدأت صناعة الدواء في لبنان في العام 1956 مع “ميفيكو”، وتبِعتها “شفا” (1964)، “فارماديكس” (1970) و”ميديفار” (1973)، وهو ما جعل البلاد مركزًا إقليميًّا للتصنيع والتصدير إلى أن عطّلت الحرب الأهليّة هذا الدور. بعد الحرب برزت شركات نهوض جديدة: “فارمالاين” (1987) التي وسّعت حضورها إلى المشرق والخليج وأفريقيا ثم أوروبا، “بنتا” (2006) التي طوّرت أكثر من 170 منتجًا بشراكات عالميّة، و”أروان” (2009) المتخصّصة بأدوية الأمراض المستعصية للأسواق العربيّة وشمال أفريقيّة. يضمّ لبنان اليوم نحو 12 مصنعًا مرخّصًا، ثلاثة منها تؤمّن كامل حاجة البلاد من المحاليل الوريديّة، وتتولّى البقيّة إنتاج عشرات الأصناف العلاجيّة.
وعلى الرغم من امتلاك لبنان تاريخًا طويلًا في تصنيع الدواء، ظلّت المصانع المحليّة تلبّي جزءًا صغيرًا من الطلب الداخليّ لعقود؛ ففي العام 2019 قدّر حجم السوق بنحو 1.3 مليار دولار، لكنّ نصيب الصناعة الوطنيّة لم يتجاوز 7 في المئة؛ أي إنّ 93 في المئة من الإنفاق كان يذهب إلى أدويةٍ مستوردة من شركات عالميّة ذات علامات تجاريّة معروفة. لذلك طرح عام 2019 هدفٌ طموح يقضي برفع حصّة الإنتاج المحلّيّ إلى 50 % في غضون خمس سنوات عبر حوافز وتشريعات داعمة.
وبدءاً من أواخر 2019 غيّرت الأزمة الماليّة مسار السوق جذريًّا: فقد أدّى انهيار سعر صرف الليرة وشحّ الدولار إلى عرقلة الاستيراد، وهو ما أحدث نقصًا واسعًا في الصيدليّات وفتح بابًا للسوق السوداء. تحت هذا الضغط برزت المصانع اللبنانيّة لتكون خطّ دفاعٍ أوّل، إذ سدّت جزءًا كبيرًا من الفجوة التي خلّفها انكماش الواردات. وتشير بيانات العام 2023 إلى تحوّل لافت: مساهمة الصناعة المحلّيّة ارتفعت إلى نحو 40 في المئة من القيمة الإجماليّة للسوق، في حين بات ما يقارب 70 في المئة من الأصناف الموجودة على رفوف الصيدليّات يُصنّع محليًّا. وعلى الرغم من أنّ هذا التقدّم فرضته الظروف الطارئة، فهو يثير تساؤلاتٍ حول قدرة المصانع على الحفاظ على الكمّيّات والجودة والأسعار الملائمة بصورةٍ مستدامة إذا استمرّت الضغوط أو زالت.
ولمواجهة الأزمة، عُزِّزت الصناعة الوطنيّة: أُطلقت حملة “دعم الدواء اللبناني” واعتمدت الوصفة الموحّدة التي تسمح للصيدلي باستبدال الدواء الأصلي بجنيس محلي بعد إثبات فعاليّته. في 2021-2022 أُلزمت الجهات الضامنة بالتعويض على أساس سعر المنتج اللبناني، واستمرّ الدعم للأدوية المصنّعة محليًّا مع رفعه عن المستوردة ذات البديل الوطني. هذه الإجراءات رفعت تنافسيّة الدواء المحلي وأعادت توازن الأسعار، لكنَّ استمرارها رهين قدرة المصانع على ضبط التكاليف وتلبية الطلب. يُذكر أنّ “المدن” حاولت التواصل مع رئيسة تجمع مصانع الأدوية في لبنان، إلا أنّها اعتذرت عن الإجابة بداعي السّفر.
التفاوت في الأسعار بين المحلّيّ والمستورد
على مدى السنوات العشر الماضية، كان من المفترض نظريًّا أن يكون الدواء الجنيسيّ المحلّيّ أرخص من الدواء المستورد، سواءٌ أكان المستورد دواءً أصليًّا “Brand” أم دواءً جنيسيًّا مستوردًا. وفق الآليّات الرسميّة لتسعير الدواء في لبنان، ينبغي أن يكون سعر الدواء الجنيسيّ المستورد أقلّ 10 في المئة من الدواء الأصليّ”Brand”، وألّا يتجاوز الدواء اللبناني هذا السعر. بالفعل تظهر بيانات نقابة المصانع ووزارة الصحّة أنّ الأصناف المحلّيّة عادةً أوفر: فهي تنخفض بنحو 60 في المئة عن الـ”Brand” وبـ 20 في المئة مقارنةً بالجنيس الأجنبيّ؛ مثلًا بلغ سعر Jardiance المستورد 3099000 ليرة مقابل 1476000 ليرة لبديله المحلّيّ، وسجّل “أملور” 159000 ليرة بينما “أملين” اللبناني 50000 ليرة.
غير أنّ فوضى الأزمة الاقتصاديّة قلبت هذه القاعدة أحيانًا. اعتبارًا من 2021، ومع تدهور العملة ورفع الدعم، ظهرت حالات أصبح فيها الجنيس المحلّيّ أغلى من الأصليّ المستورد: دواء “تربتزول” المحلّيّ يباع بخمسة دولارات داخل لبنان مقابل 2.5 دولار في دبي، و”فلوانكسول” المحلّيّ بـ 180000 ليرة مقابل 90000 ليرة للأصليّ. يردّ الخبراء ذلك إلى مخزونٍ مستوردٍ قديمٍ بأسعارٍ مدعومة، وارتفاع تكاليف الإنتاج المحلّيّ، وتراجع الرقابة على التسعير.
في تصريحات سابقة تؤكّد نقابة الصيادلة أنّ الدواء اللبناني يظلّ أرخص في المتوسط بنحو 25–30 في المئة من البدائل الأجنبيّة، شريطة الحفاظ على الجودة. لذا تعدّ إعادة ضبط التسعير وتشديد الرقابة ضروريّين لسدّ الثغرات ومنع استغلال المرضى، مع مواصلة تفضيل المنتج الوطنيّ عندما يقدّم سعرًا عادلًا وجودةً مكافئة. وفي هذا السّياق، حاولت “المدن” التواصل مع وزارة الصحّة إلّا أنّ الأخيرة رفضت التعليق والإجابة بحجة أنّ “الموضوع قديم ولا علم لطاقم العمل الجديد بهذه التفاصيل، وهم بحاجة لبعض الوقت لمراجعة هذا الملف”.
أسباب غلاء الأدوية المحلّيّة مقارنةً بالمستوردة
ترجع الفوارق السعريّة بين الدواء المحلّي والمستورد إلى ثلاث مجموعات عوامل مترابطة:
كلفة الإنتاج: تستورد المصانع اللبنانيّة كامل المواد الفعّالة والتغليف بالدولار النقدي بعد رفع الدعم وانهيار الليرة، فتنعكس الكلفة المرتفعة مباشرةً على سعر البيع.
صغر السوق وغياب وفورات الحجم :ضيق حجم السوق اللبناني يرفع كلفة الوحدة، فيضطر المنتج المحلّي إلى تسعير قريب من الجنيس المستورد لضمان ربحيّته.
اضطراب الدعم والرقابة بين 2019 و2022 :رفع الدعم فجأةً فجّر أسعار المستورد، وأحدث فجوات تموينيّة قبل أن تتمكّن المصانع المحليّة من زيادة إنتاجها، في حين أدّى ضعف الرقابة إلى احتكار وتخزين ومضاربة أبقت بعض الأسعار مرتفعة رغم تقلّبات سعر الصرف.
ولعب العامل النفسي دورًا مهمًّا: قبل الأزمة فضّل الكثيرون الأدوية الأجنبية لافتراض تفوّقها، فقلّص ذلك إنتاج المحلي ورفع كلفة وحدته. لكنّ فقدان المستورد دفع المرضى إلى تجربة الدواء اللبناني، وأثبت فعاليّته، وهو ما قد يخفض كلفته مع توسّع الطلب. في المقابل، مكّن الاحتكار، سواء عبر وكلاء حصريّين للأجنبي أو تفرّد مصنع لبناني بصنف معيّن، من إبقاء الأسعار مرتفعة. ومع انهيار القدرة الشرائيّة صار كلّ دواء يبدو باهظًا نسبةً إلى دخل المواطن بالليرة. هذه العوامل أدّت أحيانًا إلى أن يصبح الجنيسيّ المحلي أغلى من الأصلي المستورد، رغم أنّ سياسات ما بعد 2021 تحاول إعادة التوازن بالتسعير وحماية المستهلك.
التحدّيات وآفاق المستقبل
تواجه صناعة الدواء اللبنانيّة معادلة مزدوجة: توسّع متسارع وفرص تصدير محدودة يقابلها قصور تقني ورقابي. فالمصانع تحتاج إلى تحديثٍ مستمرّ والتزام صارم بمعايير GMP لكسب ثقة الأطبّاء والمرضى وتعزيز القدرة التنافسيّة، مع تسويق نشط واتفاقات تجارة لفتح أسواق عربيّة وأفريقيّة تتخطّى الـ11 بلدًا الحاليّة. ويلعب الدعم الحكومي دورًا حيويًّا عبر سياسات تسعير عادلة، وإعفاءات للمواد الأوّليّة، وتشريعات تشجّع الوصفة بالاسم العلمي وتحدّ الاستيراد حين يتوفر البديل المحلّي، إضافة إلى رقابة صارمة وتفعيل المختبر المركزي لضبط الأسعار وضمان الجودة.
الفجوة السعريّة بين الدواء المحلّي والمستورد ناتجة عن كلفة الخام بالدولار، واختلالات التسعير والرقابة، وضعف المنافسة. رغم قدرة المصانع على توفير بدائل أوفر خلال الأزمة، ظهرت أصناف محليّة أغلى من الأجنبيّة. والحلّ يكمن في دعم استيراد المواد الخام، وضبط هوامش الربح بشفافيّة، وتعزيز المنافسة والثقة بجودة الدواء الوطني. بمزيج من التحفيز والرقابة يمكن للقطاع خفض فاتورة الاستيراد، وترسيخ الأمن الدوائي، وتحويل الأزمة إلى فرصة لبناء صناعة أكثر عدالة وكفاية واستدامة.