تحول استجواب إداري لإعلامية لبنانية، أمضت ثلاثين عاماً في خدمة الدولة، إلى حادثة أثارت تساؤلات جدية حول أساليب التعامل مع الموظفين داخل التفتيش المركزي، بعدما انتهت جلسة مساءلتها بانهيار صحي استدعى دخولها المستشفى، إثر تعرّضها، بحسب المعلومات، للإهانة والسخرية والصراخ من قِبل مسؤولين في التفتيش.
وفي التفاصيل، مثُلت الإعلامية اللبنانية أمام التفتيش المركزي، بناءً على طلب استجوابها على خلفية عدم انتظام حضورها إلى مركز جونية التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية، وتغيّبها عن الدوام لمدة ثلاثة أشهر.
وبحسب المعطيات المتوافرة، أكدت الإعلامية طوال فترة الاستجواب احترامها للقانون وخضوعها لسلطة المؤسسات الرقابية، معربة عن استعدادها للالتزام بأي إجراءات قانونية يتخذها التفتيش المركزي بحقها. ولم تحاول إنكار تغيّبها، بل أقرّت به صراحة، موضحة أن أسباباً صحية ومهنية حالت دون انتظام حضورها، فضلاً عن عدم تكليفها بأي مهام فعلية داخل المركز خلال تلك الفترة.
وتشير المعلومات إلى أن المفتشَين اللذين تولّيا استجوابها أبديا تفهّماً لظروفها، وقدّرا صراحتها في عرض الوقائع والإقرار بالتغيّب، وعدم محاولتها التهرّب من مسؤولياتها.
غير أن القضية لا تتوقف عند حدود الغياب عن الدوام، إذ تشير المعلومات إلى أن مركز وزارة الشؤون الاجتماعية في جونية يعاني أوضاعاً مزرية، تجعله غير مؤهّل لاستقبال الموظفين قبل المواطنين، في ظل انتشار الحشرات والرطوبة داخله، ما يطرح تساؤلات حول ظروف العمل التي يُطلب من الموظفين الالتزام بها، ومدى اهتمام الجهات المعنية بتوفير الحد الأدنى من الشروط الصحية والمهنية.
لكن ما حصل داخل التفتيش المركزي كان، أكثر خطورة من مجرد مساءلة إدارية، بعدما تحوّل الاستجواب إلى تجربة أقرب إلى معاملة شخص متّهم بارتكاب جريمة، لا موظفة تخضع لمساءلة إدارية عن انتظام حضورها إلى العمل.
فبعد نحو ساعة ونصف الساعة من الاستجواب، حضرت المفتشة العامة، وبدأت بتوجيه انتقادات ساخرة وعبارات استهزاء بحقها، مستخدمة أسلوباً مهيناً وغير لائق، واستمرّ ذلك قرابة ساعة إضافية، ليبلغ مجموع الوقت الذي أمضته الإعلامية في جلسة الاستجواب والمواجهة نحو ساعتين ونصف الساعة متواصلتين.
وتفيد المعلومات بأن الإعلامية حاولت طوال هذه الفترة المحافظة على هدوئها والتزام الاحترام، رغم ما تعرضت له، قبل أن تبلغ مرحلة من الانهيار النفسي والعصبي، فارتفع صوتها قليلاً ودخلت في نوبة بكاء نتيجة الضغط المتواصل والاستفزاز الذي تعرضت له خلال الجلسة.
والمفارقة، وفق الرواية نفسها، أن المفتشة العامة عمدت فور ارتفاع صوت الإعلامية إلى تشغيل تسجيل صوتي لإسماع رئيس التفتيش المركزي ما يجري، ما يثير تساؤلات قانونية حول مشروعية التسجيل وظروف إجرائه واستخدامه، ولا سيما أن تسجيل ما حصل بهذه الطريقة جرى بصورة غير قانونية، وأن اللحظة التي سُمع فيها صوتها المرتفع جاءت نتيجة ساعتين ونصف الساعة من الضغط المتواصل، لا نتيجة تصرّف منفصل عن سياق ما سبقها.
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، إذ تدخّل رئيس التفتيش المركزي، بحسب المعلومات، رافعاً صوته بدوره، مطالباً الإعلامية بالاعتذار من المفتشة، بدلاً من احتواء الموقف والوقوف على ملابساته كاملة.
واللافت أن الإعلامية لم تكن وحدها في هذه التجربة، إذ كانت برفقتها زميلات خضعن أيضاً للاستجواب، وتشير المعلومات إلى أنهن تعرّضن لأسلوب تعامل مماثل، ما يطرح تساؤلات إضافية حول ما إذا كان ما جرى حادثة فردية أم يعكس نهجاً في التعاطي مع الموظفين الخاضعين للمساءلة.
وهنا يبرز سؤال أساسي: هل كان الهدف من الاستجواب الوقوف على أسباب المخالفة الإدارية واتخاذ الإجراءات المناسبة، أم تحوّلت الجلسة إلى مواجهة شخصية خرجت عن أصول المساءلة واحترام كرامة الموظف؟
وتزداد التساؤلات حساسية في ضوء معلومات عن وجود طعن في قرار تعيين المفتشة العامة المعنية بالحادثة، بعدما جرى تعيينها، وفق هذه المعلومات، بقرار استثنائي صادر عن رئيس التفتيش المركزي، ما يستدعي توضيح الأساس القانوني لهذا التعيين ومآل الطعن المقدّم بشأنه، من دون أن يعني وجود الطعن بحد ذاته ثبوت أي مخالفة قانونية.
كذلك، تتحدث المعطيات عن شكاوى سابقة تتعلق بأسلوب تعامل المفتشة العامة مع موظفين آخرين، وأن ما حصل مع الإعلامية ليس، وفق هذه الروايات، الحادثة الأولى من نوعها، الأمر الذي يستوجب التحقق من هذه الشكاوى، في حال توثيقها، ومن كيفية تعامل الجهات المختصة معها.
ولم تنتهِ تداعيات الحادثة عند أبواب التفتيش المركزي، إذ اضطرت الإعلامية إلى دخول المستشفى إثر انهيار صحي أعقب ما جرى خلال الجلسة.
واللافت أن الحديث هنا يدور عن موظفة أمضت ثلاثين عاماً في خدمة الدولة اللبنانية، لم تتخلَّ خلالها عن واجباتها، وفق المعطيات المتوافرة، بل واصلت أداء دورها الإنساني والوظيفي حتى في أصعب الظروف.
فخلال أزمة النزوح، لم تكتفِ الإعلامية بمهامها الرسمية، بل بادرت إلى مساعدة النازحين الموجودين في مراكز الإيواء في جونية، على نفقتها الخاصة وباسم وزارة الشؤون الاجتماعية، في خطوة تعكس التزامها بالخدمة العامة رغم الأزمات التي تعانيها الإدارة اللبنانية.
وبعد ثلاثة عقود من الخدمة، وفي ظل عدم حصولها على حقوقها المعنوية كاملةً من الدولة اللبنانية، وجدت نفسها أمام مساءلة عن غياب استمرّ ثلاثة أشهر، انتهت، بحسب المعلومات، بطريقة أثّرت في صحتها وأدخلتها المستشفى.
والمفارقة الأكبر أن هذه المساءلة تأتي في وقت تُثار فيه تساؤلات حول وجود موظفين وهميين في إدارات عامة، وآخرين يتغيّبون عن مراكز عملهم من دون أن تطاولهم إجراءات رقابية مماثلة، أو حتى يجرؤ أحد على مساءلتهم، ما يفتح الباب أمام السؤال عن مدى المساواة في تطبيق معايير الرقابة والمحاسبة داخل الإدارة اللبنانية.
فهل تُطبّق معايير الانضباط الإداري على جميع الموظفين من دون استثناء، أم أن بعضهم يخضع لتدقيق صارم، فيما يبقى آخرون بمنأى عن المساءلة؟
ولا يعني ذلك إعفاء أي موظف من واجباته أو من المساءلة عن مخالفات الدوام، إذ يبقى الالتزام بالقانون واجباً على الجميع، لكن تطبيق القانون لا يمنح أي مسؤول حق إهانة الموظفين أو السخرية منهم أو ممارسة ضغوط تتجاوز مقتضيات التحقيق الإداري.
فالمحاسبة حق للمؤسسات الرقابية، أما الإذلال فليس صلاحية يمنحها القانون لأحد.
وأمام هذه الواقعة، تبرز أسئلة موجّهة إلى رئاسة التفتيش المركزي: هل ستُراجع ظروف الاستجواب وطريقة التعامل مع الإعلامية وزميلاتها؟ وهل جرى توثيق الجلسة كاملةً، أم اقتصر التسجيل الذي أُسمع لرئيس التفتيش على اللحظات التي ارتفع فيها صوتها؟ وما الأساس القانوني الذي استندت إليه المفتشة في تشغيل التسجيل؟ وهل ستُستمع إفادات جميع الحاضرين للتحقق من الاتهامات المتعلّقة بالسخرية والإهانة؟
وهل سيجري التحقق من المعلومات المتعلقة بالطعن في تعيين المفتشة العامة والقرار الاستثنائي الذي قيل إنه استُخدم لتعيينها، فضلاً عن الشكاوى السابقة المنسوبة إلى طريقة تعاملها مع الموظفين؟
كذلك، أين دور وزارة الشؤون الاجتماعية في معالجة الوضع المتردّي لمركز جونية، وتأمين بيئة عمل لائقة للموظفين والمواطنين، قبل محاسبة العاملين فيه على الحضور إلى مركز تُثار تساؤلات جدية حول صلاحيته؟
إنها قضية تتجاوز موظفة تغيبت عن دوامها، لتطرح إشكالية أوسع تتعلق بكيفية ممارسة السلطة داخل المؤسسات الرقابية، والحدود الفاصلة بين فرض الانضباط الإداري والمسّ بكرامة الإنسان.
النازحين باسم الوزارة، باستجواب ينتهي به على سرير المستشفى؟
وهل أصبحت مساءلة الموظف عن ثلاثة أشهر من الغياب أكثر إلحاحاً من مساءلة الإدارات عن حقوق موظفيها وظروف عملهم، أو ملاحقة حالات الغياب غير المبرّر والوظائف الوهمية، أو حتى التحقق من أي تجاوزات تحصل خلال التحقيقات الإدارية؟
تبقى هذه الاتهامات بحاجة إلى توضيح من الجهات المعنية، ولا سيما التفتيش المركزي، لكن السؤال الذي تفرضه الحادثة يبقى واحداً: مَن يحاسب التفتيش عندما تتحول المحاسبة نفسها إلى موضع شكوى؟

