أثار قرار مصرف لبنان تعليق التغطيات الطبية لموظفيه في مستشفى الرسول الأعظم ومركز لبنان الطبي (LMC) تساؤلات جدية حول المعايير التي تعتمدها المؤسسات الرسمية اللبنانية في تطبيق العقوبات الدولية، خصوصاً بعدما كشفت وثائق هيئة الشراء العام عن تلزيمين أجرتهما المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي مع المستشفيين نفسيهما، بقيمة إجمالية تبلغ 290 مليار ليرة لبنانية لعام 2027.
فبحسب الوثائق الرسمية، جرى تلزيم مستشفى الرسول الأعظم بقيمة 195 مليار ليرة، فيما حصلت الجمعية الوطنية للتعليم العالي “ناهل”، الجهة المتعاقدة باسم مركز لبنان الطبي، على تلزيم بقيمة 95 مليار ليرة، وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، أصبح عقد المركز نهائياً.
وهنا تبرز المفارقة: كيف يعلّق مصرف لبنان تغطياته الطبية في مؤسستين استشفائيتين، بينما تتعاقد معهما مؤسسة أمنية رسمية لتأمين طبابة عناصرها والمستفيدين من خدماتها؟ وهل تعتمد المؤسستان معايير مختلفة للامتثال، أم أن المصرف المركزي يمتلك معطيات قانونية لا تتوافر لدى قوى الأمن الداخلي؟
واللافت أن خلفية المستشفيين ليست واحدة. فمستشفى الرسول الأعظم تأسس على يد جمعية الشهيد الخيرية الاجتماعية، المرتبطة بحزب الله، فيما يعود مركز لبنان الطبي إلى الجمعية الوطنية للتعليم العالي “ناهل”، ولا تتوافر معطيات موثقة تثبت ملكيته من الحزب أو خضوعه لسيطرته القانونية.
وكانت مصادر مصرف لبنان قد بررت تعليق التغطيات بضرورة الالتزام بالعقوبات الدولية والقوانين المرعية، فيما تحدثت معلومات أخرى عن نواقص إدارية ومتطلبات امتثال يمكن استكمالها لإعادة العمل بالتغطيات.
لكن أياً من هذه التوضيحات لم يحسم السؤال الأساسي: هل المستشفيان مشمولان مباشرة بعقوبات ملزمة، أم أن القرار إجراء احترازي داخلي؟ وما الأساس القانوني المحدد الذي استند إليه المصرف في التعامل مع كل منهما؟
وفي المقابل، هل خضعت تلزيمات قوى الأمن الداخلي للتدقيق في القيود والعقوبات المحتملة قبل إقرارها؟ وهل يمكن تفسير اختلاف الإجراءات بطبيعة العقود والالتزامات القانونية لكل مؤسسة؟
صحيح أن اختلاف قرارات المؤسستين لا يشكل بحد ذاته دليلاً على مخالفة، لكنه يفرض توضيحاً رسمياً، ولا سيما أن القضية تطال مرضى وموظفين قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى تحمّل تكاليف العلاج نتيجة قرارات لم تُشرح تفاصيلها كاملة.
وبين تلزيمات بقيمة 290 مليار ليرة وقرار بوقف التغطيات الطبية، تبدو الدولة اللبنانية مطالبة بتفسير هذه المفارقة: هل المشكلة في المستشفيين، أم في اختلاف معايير المؤسسات الرسمية، أم في معلومات لم يُكشف عنها بعد؟
فالمطلوب ليس تجاوز العقوبات أو تعطيل الامتثال، بل إعلان الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، وعدم ترك المرضى يدفعون ثمن الغموض الإداري والقانوني.

