مع اقتراب فصل الشتاء، تعود كلفة التدفئة لتفرض نفسها على ميزانيات العائلات اللبنانية، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع القدرة الشرائية، فضلاً عن الارتفاع المستمر في كلفة الكهرباء والاشتراك في المولدات الخاصة. وبين المازوت والغاز والحطب والمدافئ الكهربائية، يجد المواطن نفسه أمام خيارات متعددة، لكن المفاضلة بينها لم تعد مرتبطة بسعر المدفأة عند شرائها فحسب، بل بالكلفة التي سيتحملها طوال أشهر الشتاء.
وتزداد أهمية هذا الملف مع الارتفاع الذي شهدته أسعار المشتقات النفطية خلال الأشهر الماضية. فبحسب الأسعار المعلنة في 30 تشرين الأول 2026، بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 2,611,000 ليرة، فيما وصل سعر المازوت إلى 2,608,000 ليرة، وبلغ سعر قارورة الغاز 1,545,000 ليرة. وتعكس هذه الأرقام حجم العبء الذي تواجهه الأسر، خصوصاً تلك التي تعتمد على المازوت للتدفئة لساعات طويلة يومياً.
المازوت والحطب والغاز.. كلفة الموسم تحت المجهر
يعتبر المازوت من أكثر وسائل التدفئة استخداماً في المناطق اللبنانية الباردة، نظراً إلى قدرته على تدفئة مساحات واسعة، ولا سيما في المنازل التي تعتمد على أنظمة التدفئة المركزية. إلا أن ارتفاع سعره يجعل تشغيل هذه الأنظمة لفترات طويلة مكلفاً، إذ تتراوح التقديرات المتداولة لكلفة التدفئة بالمازوت خلال الموسم بين 700 و2000 دولار، تبعاً لمساحة المنزل، وعدد ساعات التشغيل، ودرجة العزل الحراري.
أما الحطب، فلا يزال خياراً شائعاً في المناطق الجبلية والقرى، ويتراوح سعر الطن الواحد وفق تقديرات منشورة بين 200 و350 دولاراً، فيما قد تصل كلفة الموسم إلى نحو 750 – 1500 دولار، بحسب حجم الاستهلاك ونوعية الحطب. ورغم أن المدفأة العاملة على الحطب لا ترتبط مباشرة بتقلبات أسعار الكهرباء، فإن كلفته ليست منخفضة بالضرورة، فضلاً عن الحاجة إلى مساحة للتخزين وصيانة المدخنة.
في المقابل، يبدو الغاز من الخيارات الأقل كلفة وفق التقديرات المنشورة، إذ يبلغ سعر قارورة الغاز نحو 17 دولاراً، وقد يتراوح الاستهلاك بين أربع وتسع قوارير شهرياً، ما يجعل الكلفة الشهرية مرتبطة بدرجة كبيرة بساعات التشغيل وحجم المدفأة. وتشير تقديرات «الدولية للمعلومات» إلى أن كلفة التدفئة بالغاز خلال الموسم قد تتراوح بين 270 و530 دولاراً، ما يجعله خياراً اقتصادياً مقارنة ببعض البدائل، شرط احتساب الاستهلاك الفعلي والتقيد بشروط السلامة.
شقق في دبي بأسعار معقولة تبدأ من 128 ألف دولار – اضمن أعلى عائد استثماري مع امكانية الحصول على الإقامة الذهبية
شقق في دبي بأسعار معقولة تبدأ من 128 ألف دولار – اضمن أعلى عائد استثماري مع امكانية الحصول على الإقامة الذهبية
سجل مجاناً | Sponsoredتعلم المزيد
credit icon
المدافئ الكهربائية.. سعر شراء مقبول وفاتورة قد تكون مرتفعة
تبدو المدافئ الكهربائية للوهلة الأولى خياراً مريحاً، خصوصاً أنها لا تحتاج إلى تخزين الوقود أو شراء المحروقات بصورة متكررة، كما تتوافر بأحجام وقدرات مختلفة تناسب الغرف الصغيرة والمتوسطة.
وتُظهر الأسعار المعروضة لدى متاجر إلكترونية في لبنان تفاوتاً واسعاً بين أنواعها. فالمدافئ الكهربائية الصغيرة، بقدرة 1200 واط، تبدأ أسعار بعضها من نحو 13 دولاراً، فيما تتراوح أسعار بعض المدافئ التقليدية بقدرة 2000 واط حول 35 دولاراً. أما المدافئ الزيتية، فتبدأ بعض نماذجها من نحو 84 دولاراً، وقد تتجاوز 120 دولاراً، فيما تصل أسعار بعض الطرازات الأعلى إلى مستويات أكبر.
لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في سعر شراء المدفأة، بل في استهلاكها للكهرباء. فعلى سبيل المثال، تستهلك مدفأة بقدرة 2000 واط نحو كيلوواطين في الساعة. وباحتساب سعر الكيلوواط ساعة من المولدات الخاصة الذي بلغ نحو 52,840 ليرة في أيلول، وفق تقرير نشرته صحيفة «لوريان لو جور»، تصل كلفة تشغيلها إلى نحو 105,680 ليرة لكل ساعة، أي ما يقارب 1.18 دولار، وفق سعر صرف 89,500 ليرة للدولار.
وبالتالي، فإن تشغيل هذه المدفأة ست ساعات يومياً لمدة شهر قد يرفع الكلفة إلى نحو 212 دولاراً، من دون احتساب الرسوم الثابتة للاشتراك. وهذا يعني أن المدفأة الكهربائية، رغم انخفاض سعر شرائها، قد تتحول إلى عبء مالي كبير إذا استُخدمت لساعات طويلة بالاعتماد على كهرباء المولدات.
هل التدفئة ب”الإنفرتر ” والطاقة الشمسية أكثر توفيراً؟
مع انتشار أنظمة الطاقة الشمسية ومكيفات الهواء العاملة بتقنية “الإنفرتر”، يبرز خيار مختلف عن المدافئ الكهربائية التقليدية. فمكيف “الإنفرتر” الذي يعمل بوضع التدفئة، إذا كان من نوع المضخة الحرارية (Heat Pump)، يستطيع إنتاج كمية من الحرارة تفوق الطاقة الكهربائية التي يستهلكها، ما يجعله أكثر كفاءة من المدفأة الكهربائية التقليدية التي تحوّل الكهرباء مباشرة إلى حرارة.
وتزداد جدوى هذا الخيار في المنازل التي تمتلك نظام طاقة شمسية وبطاريات قادراً على تغطية جزء من الاستهلاك، خصوصاً خلال ساعات النهار. لكن فعاليته ترتبط بقدرة الألواح والبطاريات، وحالة الطقس، ودرجة الحرارة الخارجية، وعزل المنزل، فضلاً عن كلفة الكهرباء التي يحتاج إليها عند غياب الشمس.
ومن هنا، لا يمكن اعتبار كل مكيف “إنفرتر” خياراً اقتصادياً تلقائياً، بل ينبغي احتساب استهلاكه الفعلي وقدرة النظام الكهربائي على تغذيته، ومقارنته بكلفة الغاز أو المازوت.
أي وسيلة هي الأفضل اقتصادياً؟
لا توجد وسيلة تدفئة واحدة تناسب جميع المنازل، لأن الاختيار يرتبط بمساحة المكان، وعدد ساعات الاستخدام، ومصدر الطاقة المتاح، ومدى عزل المنزل. لكن المقارنة بين الخيارات تسمح بتحديد بعض الاتجاهات:
– الغاز: خيار يمكن أن يكون أقل كلفة تشغيلية وفق التقديرات المتداولة، خصوصاً عند تدفئة غرفة محددة، شرط استخدام مدفأة مطابقة لمعايير السلامة.
– المازوت: يناسب المنازل الكبيرة وأنظمة التدفئة المركزية، لكنه يحتاج إلى ميزانية مرتفعة، خصوصاً عند التشغيل اليومي.
– الحطب: قد يكون مناسباً للمناطق التي يتوافر فيها بأسعار مقبولة، لكنه ليس بالضرورة الأرخص، وتضاف إليه كلفة التخزين والصيانة.
– مكيف “الإنفرتر”: خيار ذو كفاءة طاقوية مرتفعة، خصوصاً عند توافر الطاقة الشمسية أو الكهرباء بكلفة مقبولة.
– المدفأة الكهربائية: مناسبة للتدفئة الموضعية ولساعات محدودة، لكنها تصبح مكلفة عند تشغيلها لفترات طويلة على كهرباء المولدات.
ولا يمكن إغفال عامل السلامة عند المفاضلة بين هذه الوسائل. فالمدافئ العاملة على الغاز والمازوت والحطب قد تنتج غاز أول أكسيد الكربون السام، الذي لا لون له ولا رائحة، خصوصاً عند سوء التهوئة أو وجود أعطال في أجهزة الاحتراق والمداخن. لذلك، توصي الجهات الصحية بضرورة تأمين التهوئة المناسبة، وفحص أجهزة التدفئة والمداخن دورياً، واستخدام أجهزة إنذار أول أكسيد الكربون.
في المحصلة، يبدو أن التدفئة بالغاز قد تكون أقل كلفة بالنسبة إلى الأسر التي تحتاج إلى تدفئة مساحة محدودة، فيما يشكل مكيف “الإنفرتر” المدعوم بالطاقة الشمسية خياراً ذا كفاءة عالية للمنازل المجهزة بهذه الأنظمة. أما المازوت، فرغم فعاليته في تدفئة المساحات الواسعة، فإن كلفته المرتفعة تجعله خياراً يحتاج إلى حسابات دقيقة قبل اعتماد ميزانية الموسم.
وبين هذه الخيارات، تبقى المشكلة الأساسية أن المواطن اللبناني لم يعد يبحث فقط عن وسيلة تمنحه الدفء، بل عن وسيلة يستطيع تحمّل كلفتها طوال الشتاء، من دون أن تتحول فاتورة التدفئة إلى عبء إضافي على ميزانيته.

