يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب اختباراً سياسياً بالغ الحساسية، مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس، وسط مؤشرات متزايدة إلى احتمال خسارة الحزب الجمهوري سيطرته على مجلس النواب، وتهديد أغلبيته في مجلس الشيوخ، في ظل تراجع شعبية الرئيس وتصاعد غضب الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب على إيران.
وبحسب تقرير للصحافي جيمس بوليتي في صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، كثّف ترامب تحركاته الانتخابية في الساعات الأخيرة قبل اقتراع الثلاثاء، محاولاً دعم مرشحي الحزب الجمهوري في ولايات كانت تُعتبر معاقل محافظة مضمونة، لكنها تحوّلت إلى ساحات منافسة حادة مع الديمقراطيين.
وأجرى ترامب، الأحد، جولتين انتخابيتين في ولايتي آيوا وكانساس، اللتين فاز فيهما بسهولة خلال الانتخابات الرئاسية عام 2024، في محاولة لدعم مرشحين جمهوريين يواجهون سباقين صعبين على مقعدين في مجلس الشيوخ، قبل أن يعود إلى واشنطن استعداداً ليوم الاقتراع.
وخلال تجمّع انتخابي في مدينة دوبوك بولاية آيوا، قال ترامب أمام أنصاره: “أقوم بهذه التجمّعات اللعينة في كل مكان”، متوقعاً تحقيق الانتصار على من وصفهم بـ”الجهاديين” و”الشيوعيين”.
وأضاف: “سننتخب الجمهوريين الذين يضعون أميركا أولاً على امتداد السباقات الانتخابية، وسنبقي أمتنا قوية”.
لكن المشهد الانتخابي يبدو أكثر تعقيداً مما كان عليه في بداية العام. فبينما تشير التوقعات التي أوردتها الصحيفة إلى احتمال خسارة الجمهوريين مجلس النواب، يخوض ترامب معركة للحفاظ على الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، بعدما كان هذا المجلس يبدو مضموناً لحزبه في وقت سابق.
وكشف استطلاع أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” بالتعاون مع كلية سيينا، ونُشرت نتائجه الأحد، تقدّم الديمقراطيين في عدد من الولايات الأساسية التي ستحدد مصير السيطرة على مجلس الشيوخ، في مؤشر مقلق للرئيس الأميركي.
وتشير الصحيفة إلى أن الحرب على إيران تحوّلت إلى عبء سياسي متزايد على الجمهوريين، بعدما انعكست تداعياتها على أسعار الطاقة، وفاقمت الضغوط الاقتصادية التي تواجه العائلات الأميركية.
وفي الولايات الزراعية الواقعة في الغرب الأوسط، حيث يتمتع ترامب تقليدياً بتأييد قوي، بات ارتفاع أسعار الوقود مصدر استياء حتى بين بعض مؤيديه، وهو ما يستغله الديمقراطيون في حملاتهم الانتخابية.
وتحاول الإدارة الأميركية وحلفاؤها في الكونغرس الحد من الخسائر المحتملة عبر تصوير الحزب الديمقراطي بوصفه بديلاً محفوفاً بالمخاطر وخاضعاً لنفوذ اليسار الاشتراكي، مع الاستفادة من الانقسامات الداخلية التي شهدها خلال الحملة.
وفي ولاية ميشيغان، انفجر خلاف حاد داخل الحزب الديمقراطي بين المرشح التقدمي عبد السيد ومنافسته السابقة في الانتخابات التمهيدية، النائبة المعتدلة هايلي ستيفنز.
وأعلنت ستيفنز، الأحد، تأييدها المرشح الجمهوري مايك روجرز، متهمة زميلها الديمقراطي بنشر الكراهية تجاه إسرائيل، في خطوة أثارت غضباً واسعاً داخل الحزب.
ووصف زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر قرارها بأنه “خيانة دنيئة”، وسط مخاوف من تأثير الانقسام على فرص الحزب في ولاية تُعد أساسية في المعركة الانتخابية.
ورغم هذه الخلافات، تبدو الصورة العامة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الجمهوريين، إذ بات الديمقراطيون، وفق تقديرات أوردتها الصحيفة، قريبين من تحقيق المكسب الصافي المطلوب، والبالغ 4 مقاعد، لاستعادة الأغلبية في مجلس الشيوخ.
وفي ولاية كارولاينا الشمالية، تشير التوقعات إلى تقدم الحاكم الديمقراطي السابق روي كوبر، فيما يملك الديمقراطيون فرصاً تنافسية في ولايات مين وأوهايو وألاسكا، إضافة إلى آيوا وكانساس اللتين زارهما ترامب الأحد.
وفي ألاسكا، رفض قاضٍ فيدرالي دعوى رفعتها إدارة ترامب للطعن مسبقاً بنتائج انتخابات أحد مقاعد مجلس الشيوخ.
وتواجه حملة المرشحة الديمقراطية ماري بيلتولا اتهامات بمحاولة تشتيت أصوات الجمهوريين عبر استقطاب مرشح يحمل اسماً مشابهاً للغاية لاسم السيناتور الجمهوري الحالي دان إس. سوليفان، إذ يحمل المرشح الآخر اسم دان جاي. سوليفان.
أما في آيوا، فسعت المرشحة الجمهورية آشلي هينسون، المدعومة من ترامب، إلى إظهار تفهمها للضغوط الاقتصادية التي تعيشها العائلات، مع الإيحاء بأنها مستعدة لمعارضة الرئيس عندما تقتضي الضرورة.
وكتبت في صحيفة “دي موين ريجستر”: “العائلات تعمل بجد وتفعل كل شيء على النحو الصحيح، لكن رواتبها لم تعد تكفي كما ينبغي”.
وأضافت أنها مستعدة للتعاون مع أي طرف يطرح أفكاراً تساهم في خفض التكاليف وتحسين حياة الأميركيين، مؤكدة أنها لن تتردد في مواجهة واشنطن عندما تتخذ قرارات خاطئة.
وخلال تجمّعه الانتخابي، أشاد ترامب بهينسون ووصفها بأنها ستكون “رائعة”، لكنه انتقل بعد ذلك إلى التعليق على مظهرها وخسارتها للوزن، قائلاً إنه يعرفها منذ فترة طويلة، وإنها كانت أكثر وزناً قبل أن تصبح، بحسب تعبيره، في “حالة بدنية مثالية”.
وتشير الصحيفة إلى أن ترامب سبق أن علّق على المظهر الجسدي لمرشحين جمهوريين آخرين خلال حملته الانتخابية.
وفي تكساس، تبرز معركة انتخابية بالغة الأهمية، حيث يحاول كين باكستون، حليف ترامب، الحفاظ على المقعد الجمهوري في مواجهة منافسة قوية من الديمقراطي جيمس تالاريكو، في ولاية كانت تُعتبر من أبرز المعاقل الجمهورية.
ويراهن الديمقراطيون أيضاً على استعادة جزء من التأييد الذي حققه ترامب خلال انتخابات 2024 بين الناخبين الشباب والسود واللاتينيين، بالتوازي مع احتمال انخفاض نسبة المشاركة بين القاعدة الجمهورية التقليدية.
وفي ولاية مين، وجّه المرشح الديمقراطي تروي جاكسون، الذي يسعى إلى إطاحة السيناتورة الجمهورية المخضرمة سوزان كولينز، انتقادات حادة إلى الإدارة الأميركية.
وقال في مقابلة تلفزيونية الأحد: “وصلت الأمور إلى مرحلة سيئة للغاية، ونحن بحاجة إلى شخص يعيد حكومتنا إلينا، لأنها لم تعد تعمل”.
وأضاف: “أسعار الوقود خرجت عن السيطرة، ولدينا رسوم جمركية، ولماذا؟ لكي يحصل أصحاب المليارات على مزيد من الأموال، ولكي يفعل دونالد ترامب ما يحلو له”.
وبين الغضب من تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب على إيران، يجد ترامب نفسه أمام انتخابات قد تعيد رسم موازين القوى في واشنطن، وتحرم الجمهوريين من السيطرة على الكونغرس، في ضربة سياسية من شأنها أن تعقّد ما تبقى من ولايته الرئاسية.

