قبل أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية، اختار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وضع الأمن وإيران في قلب حملته الانتخابية، كاشفًا وثيقة جديدة لرؤيته للأمن القومي تقوم على توجيه ضربات استباقية، وتوسيع المناطق العازلة، والحفاظ على التفوق العسكري والتكنولوجي، في خطوة قوبلت بهجوم حاد من المعارضة التي وصفت الوثيقة بأنها “سطحية” ومحاولة للتغطية على إخفاقات حكومته.
وتأتي الوثيقة في توقيت انتخابي حساس، وسط تراجع معسكر نتنياهو في استطلاعات الرأي أمام معسكر المعارضة بقيادة رئيس حزب “يشار” غادي آيزنكوت، وبعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه الكامل لإعادة انتخاب نتنياهو.
وقدّم نتنياهو، خلال مؤتمر صحافي أمني، تصوره الجديد للأمن القومي الإسرائيلي، في أول وثيقة من نوعها يصدرها منذ نحو عقد، بحسب إذاعة البث الإسرائيلية.
ووضع نتنياهو إيران في صدارة الأولويات الأمنية، معلنًا في الوثيقة المؤلفة من 3 صفحات، بما فيها الغلاف، أن إسرائيل مستعدة لشن ضربة استباقية ضد البرنامج النووي الإيراني، حتى من دون دعم أميركي أو تنسيق مسبق مع واشنطن.
وتضمنت الوثيقة 10 مبادئ مركزية، إذ اعتبر نتنياهو أن أحداث 7 تشرين الأول 2023 فرضت على إسرائيل خوض حرب واسعة، وزعم أن العمليات العسكرية الممتدة من قطاع غزة إلى اليمن، ومن لبنان إلى إيران، أبعدت ما وصفه بـ”خطر إبادة نووية وشيكة”، وفككت ما سماه “حلقة الخنق التي فرضها المحور الإيراني”.
وأكد أن المرحلة الجديدة تفرض إعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية، عبر الانتقال من احتواء التهديدات والدفاع في مواجهتها إلى منعها ومهاجمتها، بما يشمل توجيه ضربات استباقية ضد التهديدات الناشئة.
كما صنفت الوثيقة الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية والتهديدات السيبرانية ضمن أبرز المخاطر، إلى جانب التهديدات الداخلية وحملات نزع الشرعية والعزلة الدولية، والمخاطر على الحدود الشمالية والشرقية والغربية.
وخلال عرض مصور للتهديدات، قدّم نتنياهو خريطة للتحالفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط حملت شعار مؤسسة “فريدريش إيبرت”، وأظهرت تكتلًا يضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان تحت مسمى “التحالف الماسي السني”، مقابل إيران والجماعات المتحالفة معها ضمن ما تسمّيه إسرائيل “محور المقاومة”.
ولم يتضح من العرض أن نتنياهو يصنف جميع الدول الواردة في الخريطة على أنها معادية لإسرائيل، كما أن التسميات المستخدمة لا تعني بالضرورة وجود تحالفات عسكرية رسمية بينها.
وفي الشق العملياتي، تنص الوثيقة على الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، وتطوير قدرات الردع والإنذار المبكر، والاستعداد لتنفيذ هجمات وقائية، إلى جانب إنشاء مناطق عازلة عند الحاجة على الحدود وتعزيز حماية الجبهة الداخلية من الهجمات المفاجئة.
كما تدعو إلى تطوير الصناعات العسكرية المحلية وتقليص الاعتماد على مصادر التسليح الخارجية، في وقت حذّر فيه نتنياهو من احتمال شن هجمات واسعة عبر الحدود، مشيرًا إلى أن إسرائيل تقيم جدارًا على الحدود الشرقية لمنع التسلل البري واستخدام الطائرات المسيّرة.
وشددت الوثيقة كذلك على تعزيز التفوق التكنولوجي، ولا سيما في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والفضاء، إلى جانب توسيع التحالفات الإقليمية والدولية وتعزيز مكانة إسرائيل بوصفها قوة إقليمية.
وفي بند حمل عنوان “روح الشعب”، دعت الوثيقة إلى تعزيز الوحدة الوطنية، والحفاظ على الطابع اليهودي والديمقراطي لإسرائيل، وتشجيع الاستيطان في ما تصفه بـ”أرض إسرائيل”، وتعزيز العلاقات مع اليهود في الخارج.
لكن الوثيقة لم تحدد المواقع الجغرافية للمناطق العازلة المقترحة أو الدول التي يمكن إقامتها على حدودها، كما لم تتضمن خطة عملياتية مفصلة لمواجهة إيران.
وبحسب مكتب نتنياهو، أُعدت الوثيقة بمساعدة مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ورئيسه شموئيل بن عزرا.
في المقابل، شن زعيما المعارضة يائير لابيد وغادي آيزنكوت هجومًا حادًا على الوثيقة، معتبرين أنها تفتقر إلى استراتيجية أمنية حقيقية وتحاول التغطية على إخفاقات حكومة نتنياهو.
ووصف لابيد الوثيقة بأنها “سطحية وغريبة”، وقال إنها تبدو كأنها كُتبت بواسطة نسخة مجانية من “برنامج دردشة آلي”، معتبرًا أنها لا تقدم استراتيجية حقيقية، بل تحاول صرف الأنظار عن إخفاقات نتنياهو ورفضه تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 تشرين الأول وفشله في توسيع اتفاقيات التطبيع.
أما آيزنكوت، فوصف الوثيقة بأنها “صفحتان فارغتان مليئتان بالشعارات”، معتبرًا أنها تعكس ما سماه “الفراغ الاستراتيجي” الذي أحدثه نتنياهو، وأن نشرها قبل 9 أيام من الانتخابات وبعد 3 سنوات من أحداث 7 تشرين الأول يمثل محاولة لصرف الأنظار عن إخفاقات الحكومة.
واتهم آيزنكوت نتنياهو بالفشل في تحقيق أهداف الحرب، بما فيها القضاء على القدرات العسكرية والحكومية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وردع الحزب في لبنان، والحفاظ على الاستقرار في الضفة الغربية والوحدة الداخلية.
وتعهد بأن تعمل الحكومة التي تسعى المعارضة إلى تشكيلها، خلال 150 يومًا من توليها السلطة، على إعداد وإقرار استراتيجية رسمية للأمن القومي الإسرائيلي.
وتأتي المواجهة السياسية على وقع استطلاع لهيئة البث الإسرائيلية أظهر خسارة معسكر نتنياهو مقعدين وتراجعه إلى 51 مقعدًا، مقابل 52 مقعدًا لمعسكر آيزنكوت، الذي تقدم أيضًا في تفضيلات رئاسة الحكومة بنسبة 43% مقابل 35% لنتنياهو.
ورغم تقدم آيزنكوت، لا يملك أي من المعسكرين أغلبية الـ61 مقعدًا اللازمة لتشكيل حكومة من أصل 120 مقعدًا في الكنيست.
وكان نتنياهو قد أقر بأنه غير واثق من الفوز في الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول، في وقت تكتسب فيه الانتخابات أهمية خاصة لمستقبله السياسي، وسط محاكمته بتهم فساد تشمل الرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة، فضلًا عن مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية في تشرين الثاني 2024.
وفي موازاة ذلك، أعلن ترامب دعمه الكامل والمطلق لإعادة انتخاب نتنياهو، محذرًا الإسرائيليين من اختيار زعيم آخر، فيما رد آيزنكوت بالتأكيد أن الإسرائيليين وحدهم يقررون هوية رئيس الوزراء والحكومة المقبلة.

