أوقف أمن المقاومة، قبل أيام، في الضاحية الجنوبية لبيروت، مواطنَين أميركيَّين من ذوي الملامح الآسيوية، كانا يتجولان في محيط منطقة بئر العبد.
وبعد تفتيش مقتنياتهما، تبيّن أنهما يحملان نظّارات شمسية ذكية مزوّدة بكاميرات تصوير من نوع “GoPro”، يمكن ربطها بالهاتف الذكي، وتتيح التقاط صور فوتوغرافية بجودة مناسبة، مع خاصية تحديد الموقع الجغرافي للصور. وتبيّن أيضاً أن بحوزتهما خاتماً يحتوي على جهاز تسجيل صوتي وخاصية تحديد المواقع.
وعند سؤالهما، رفض الأميركيان في البداية الإفصاح عن أسباب حيازتهما أجهزة من هذا النوع، أو توضيح دوافع تجوّلهما في منطقة سبق أن تعرّضت لاعتداءات إسرائيلية متكررة خلال الحربين الماضيتين.
في المقابل، زعم أحدهما أنه قدم إلى لبنان في مهمة صحافية لاستكشاف الضاحية الجنوبية، غير أنه لم يُثبت حيازته بطاقة تعريف صادرة عن أي مؤسسة صحافية أو تصريحاً من وزارة الإعلام أو الأجهزة الأمنية الرسمية، كما لم يظهر أن لديه صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي توثّق نشاطه وعمله الصحافي.
وبحسب مصدر مطّلع، فإن الموقوفَين استغلّا ملامحهما الآسيوية وأصولهما الصينية في التجوّل داخل الضاحية الجنوبية بحرية، مستفيدَين من غياب الحساسية عموماً لدى بيئة المقاومة تجاه الصينيين. غير أن تكرار تجوّلهما في المنطقة نفسها أثار ريبة أحد عناصر الحزب الموجودين في المنطقة، فعمد إلى إبلاغ مسؤوليه وطلب جوازَي سفرهما، ليتبيّن أنهما أميركيان وليسا صينيَّين. وبعد تفتيش مقتنياتهما، عُثر بحوزتهما على أجهزة تصوير واتصال مخفية.
وتشير الشبهات إلى احتمال أن يكون الأميركيان متعاونَين مع جهاز استخباراتي أميركي، أو أن تستخدمهما إسرائيل، ولا سيما أنهما يمتلكان هاتفاً مشفّراً. وغالباً ما تُستخدم تقنيات من هذا النوع في أعمال ومجالات الأمن والتجسّس، فيما تبدو بعض الأجهزة المضبوطة احترافية، وليس من السهل الولوج إلى محتوياتها. وبحسب المصدر، فإن طبيعة تحرّكاتهما والأجهزة التي ضُبطت بحوزتهما لا توحي بأنهما مجرّد متطفّلَين بالمعنى الأمني.
وشهدت الأسابيع والأشهر الماضية ارتفاعاً في وتيرة توقيف أجانب من جنسيات غربية وعربية داخل الضاحية الجنوبية لبيروت، للاشتباه بتحرّكاتهم أو لأسباب تتعلّق بالريبة من طبيعة أنشطتهم. وغالباً ما كانت الأجهزة الأمنية الرسمية، ولا سيما المديرية العامة للأمن العام ومديرية المخابرات في الجيش، تتولّى التحقيق معهم بإشارة من القضاء المختص، قبل أن يُصار، في معظم الحالات، إلى ترحيلهم.
وخلال الشهرين الأخيرين، أُوقف في الضاحية خمسة أشخاص على الأقل من جنسيات عربية وأجنبية، يحمل بعضهم جوازات سفر مزدوجة، وكان ثلاثة منهم على الأقل مزوّدين بأجهزة تصوير وتحديد مواقع جغرافية.
ويتزامن ما تصفه المعطيات المتوافرة بارتفاع النشاط الاستعلامي والأمني الإسرائيلي-الأميركي ميدانياً مع تصاعد وتيرة تحليق المسيّرات، بحسب ما تُظهره البيانات الصادرة عن قيادة الجيش اللبناني.
وخلال الأسابيع الماضية، أظهرت المعطيات وجود ثماني مسيّرات في الخدمة الفعلية يومياً، تنشط بصورة مستمرة فوق بيروت وضواحيها، ضمن نوبات تحليق محدّدة نهارية وليلية، لا تقلّ مدة الواحدة منها عن ست ساعات، إذ تدخل المسيّرات الأجواء اللبنانية من فوق البحر.
ويترافق ذلك أيضاً مع تشديد التدابير والإجراءات ذات الطابع المالي والاقتصادي التي تستهدف حزب الله وبيئته، في ظل الأجواء الحربية السائدة في المنطقة، والتهديدات الإسرائيلية المتواصلة بشنّ حرب جديدة، وآخرها ما صدر عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي هدّد بتهجير نحو مليون مواطن لبناني شيعي.
وليست هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ سُجّلت سابقاً حالات توقيف لأشخاص اشتُبه بتنفيذهم مهام أمنية مختلفة.
ففي أواخر عام 2025، أُوقف رجل جزائري وزوجته، التي تحمل جواز سفر إيطالياً، في محيط مجمّع سيد الشهداء. وعُثر بحوزتهما على كاميرا من نوع “GoPro”، مجهّزة بنظام تحديد المواقع الجغرافية (GPS)، وقادرة على الاتصال بالأجهزة والهواتف الذكية عبر تقنية “Bluetooth”، فضلاً عن إمكان التحكّم بها من خلال تطبيق مخصّص يُحمّل من متجر إلكتروني.
وقبل ذلك، كان أمن المقاومة قد أوقف الأميركيَّين جايمس فيكتور وإيفان ستويرز خلف مجمّع سيد الشهداء في منطقة الرويس، بعدما ضُبطت بحوزتهما كاميرا مخبّأة داخل حقيبة.
أما على مستوى التنسيق الأمني، فقد كان هناك تفاهم سابق بين أمن المقاومة والأجهزة الأمنية اللبنانية، يقوم على تسليم الأشخاص الذين يوقفهم الحزب، سواء كانوا لبنانيين أو أجانب، للاشتباه بتنفيذهم مهام أمنية، إلى السلطات الرسمية، التي تتولّى التحقيق معهم بناءً على إشارة قضائية.
غير أن قرارات مجلس الوزراء، ولا سيما القرار الصادر في الثاني من آذار الماضي، والمتعلّق باعتبار الجهازين العسكري والأمني في حزب الله خارجَين عن القانون، ألقت بظلالها على هذا التعاون وأعاقته، إذ باتت الأجهزة الرسمية تجد صعوبة تقنية في تسلّم الموقوفين من الحزب على خلفية شبهات أمنية.
وعلى الرغم من احتفاظ بعض الأجهزة بقنوات اتصال وتنسيق مع الحزب، فإنها باتت تطلب، عبر هذه القنوات، إبلاغها فوراً عن أي شخص يُشتبه فيه، تمهيداً لتولّي توقيفه من جانبها.
إلا أن هذا التوجّه خلق التباساً لدى الحزب، الذي يطلب المشاركة أمنياً في أي تحرّك ميداني من هذا النوع، انطلاقاً من اعتبارات تتصل بطبيعة المنطقة وحساسيتها الأمنية.
إلى ذلك، علم “ليبانون ديبايت” أن الموقوفين الذين سبق للحزب أن سلّمهم إلى الأجهزة الأمنية الرسمية أُخلي سبيلهم بإشارة من القضاء المختص، وغادروا الأراضي اللبنانية، وهو ما أثار استياء الحزب من أداء القضاء في التعامل مع هذه الملفات.
وفهم “ليبانون ديبايت” أن مرجعيتين، إحداهما أمنية والأخرى قضائية، أبلغتا الحزب رسمياً بوجود توجيهات سياسية صارمة وأخرى قضائية تحول دون استئناف التعاون معه في ملف تسليم الموقوفين، وبوجوب التزام الحزب عدم القيام بعمليات توقيف داخل الضاحية، والاكتفاء بإبلاغ الأجهزة الرسمية عن أي شخص يُشتبه فيه، لتتولّى الأخيرة توقيفه.

