بعد 40 عاماً على وقوع الملاح الجوي الإسرائيلي رون أراد في الأسر في لبنان، يستعيد رفاقه ذكرياتهم معه، ويتحدثون عن أمل تضاءل وثقة بالدولة تحوّلت إلى خذلان. وبين المطالبة بكشف مصيره ورفض تعريض الجنود للخطر لاستعادة جثمانه، يختصر أحد أصدقائه أمنيته بالقول: “أتمنى أن تُحل هذه القضية قبل أن أموت”.
وبحسب تقرير للصحافي دودي باتيمر في صحيفة “معاريف”، تعود القضية إلى 16 تشرين الأول 1986، حين تسبب خلل تقني في صاعق إحدى القنابل بانفجار قرب طائرة “فانتوم”، خلال مهمة في منطقة صيدا اللبنانية. واضطر الطيار يشاي أفيرام والملاح رون أراد إلى القفز منها.
تمكّن أفيرام من الإفلات وأُنقذ بعملية لسلاح الجو الإسرائيلي، فيما أصيب أراد أثناء الهبوط ووقع في أسر عناصر حركة “أمل”. وكان يبلغ 28 عاماً، وترك في منزله زوجته تامي وابنته يوفال، التي لم تتجاوز عامها الأول.
وخلال العامين الأولين من الأسر، وصلت منه رسائل وصور وإشارات تؤكد أنه كان حياً، لكن الاتصال به انقطع في أيار 1988، وبقي مصيره منذ ذلك الحين مجهولاً.
ويقول البروفسور أميتاي زيف، زميله في دورة الطيران ومدير مستشفى التأهيل المتكامل في مركز “شيبا” الطبي، إن ذكرى أراد تداهمه في لحظات غير متوقعة، وخصوصاً عندما يلتقي ابنته ويرى الشبه بينها وبين والدها. ويضيف: “يُقال إن الزمن يداوي الجراح، لكن ذلك بالتأكيد غير صحيح في حالة رون. أحياناً أفكر: يا لهدر هذه الحياة، وأين كان يمكن أن يكون اليوم؟”.
ويصف رفاقه أراد بأنه جمع بين الذكاء الحاد والحيوية والوفاء، رغم شروده وإهماله مظهره العسكري. ويستعيد العقيد المتقاعد نسيم يوغيف مساعدته له في الدراسة في “التخنيون”، قائلاً: “بفضله اجتزت السنة الأولى. كان يريد أن يصبح عالماً”.
كما يتذكر يوغيف مرافقته قائد القاعدة لإبلاغ تامي بما حدث، لأنها كانت صديقة مقرّبة له. ويقول: “سألت أسئلة كثيرة، لا تزال بعضُها بلا إجابة حتى اليوم: ماذا حدث؟ هل يحاولون إنقاذه؟ وأين هو؟”.
أما العقيد المتقاعد رونين ميراف، فيقول إنه اعتقد بدايةً أن أراد سيتمكن من النجاة بفضل قدراته وحسن تصرفه: “شعرت بأنه يمكن الوثوق به أولاً، ثم بسلاح الجو ودولة إسرائيل. كنت ساذجاً”.
ومنذ أسره، نفذت إسرائيل جهوداً استخبارية وعملياتية امتدت حول العالم لكشف مصيره، من دون الوصول إلى جواب حاسم. وشملت خطف مصطفى الديراني، الذي اعتُبر ضالعاً في احتجازه، والقيادي في “حزب الله” عبد الكريم عبيد، أملاً بالحصول على معلومات تقود إليه.
ويعتبر ميراف أن صفقة إطلاق إلحانان تننباوم عام 2004 شكّلت نقطة انكسار في ثقته بالمؤسسات. ويقول: “ترافقنا مشاعر ذنب لأننا لم نناضل بما يكفي ووثقنا بالمؤسسة، وهي ثقة اتضح لاحقاً أنها لم تكن مبررة”.
ويرى أن الدرس الأهم من قضية أراد هو إعادة الأسرى الأحياء بأسرع وقت وبأي ثمن، متهماً الحكومة الحالية بعدم تطبيقه على مخطوفي غزة. وبحسب تقديره، كان يمكن لعدد منهم أن يعودوا أحياء لو استوعبت الحكومة هذا الدرس.
ويتوقف زيف عند محاولة جرت قبل بضعة أشهر للعثور على أدلة تتعلق بأراد في لبنان، قائلاً إنها عرّضت جنود النخبة للخطر من دون العثور على رفات. ويذكّر بأن والدة أراد كانت ترفض تعريض حياة أي شخص للخطر لاستعادة جثمانه، وهو موقف أعادت زوجته تأكيده ليلة العملية.
من جهته، يقول يوغيف إن الأمل بالعثور على أراد تضاءل مع السنوات، وإن الاحتمال بدا “شبه معدوم” بعد مرور 20 عاماً. ويتهم حكومتي إسحاق رابين وإسحاق شامير بالمماطلة والتخلي عنه، مضيفاً: “أتمنى أن تُحل هذه القضية قبل أن أموت”.
أما صديقه المقدم المتقاعد دورون فينيكوف، فيقول إن صفقة تننباوم، التي أدت إلى إطلاق الديراني، أنهت اعتقاده بأن أراد سيعود. ويرى أن إعلانه قتيلاً من الجيش الإسرائيلي مجهول مكان الدفن قد يشكل نهاية للملف: “لن تكون نهاية سعيدة، لكنني آمل أن تكون هناك نهاية، لأن عدم اليقين أشد صعوبة”.

