خلف الأزمات التي يعيشها اللبنانيون يوميًا، معاناة لا تظهر كلها في فواتير الكهرباء والدواء، ولا تختصرها البطالة وتراجع القدرة الشرائية. ثمة ضغوط نفسية تتراكم داخل البيوت، بعيدًا عن الأنظار، وقد تشتدّ حين يغيب الدعم، ويثقل الخوف من المستقبل، ويتراجع الشعور بالقدرة على تغيير الواقع.
في هذا المشهد، يطرح ارتفاع الوفيات بالانتحار أسئلة تتجاوز الأعداد: كيف تُكتشف المعاناة قبل تفاقمها؟ وأين يجد من يمرّ بأزمة نفسية من يصغي إليه ويساعده؟ وما قدرة العائلات والمؤسسات على توفير الدعم في بلد تتلاحق فيه الأزمات؟
لا يمكن اختزال الإجابات بعامل واحد، كما لا يصحّ التعامل مع الانتحار بوصفه نتيجة حتمية للضائقة الاقتصادية. فالضغوط المعيشية قد تتداخل مع ظروف نفسية وعائلية واجتماعية وأمنية، فيما يختلف أثرها بين شخص وآخر، تبعًا لحالته وشبكات الدعم المتاحة له.
بحسب الأرقام التي نشرتها “الدولية للمعلومات”، سجّل لبنان 115 وفاة بالانتحار في عام 2021، ارتفعت إلى 138 في عام 2022، ثم إلى 168 في عام 2023. وبعد انخفاض العدد إلى 129 في عام 2024، عاد وارتفع إلى 147 في عام 2025، بزيادة تقارب 14% عن العام السابق.
وخلال الأشهر الـ8 الأولى من عام 2026، سجّلت “الدولية للمعلومات” 106 وفيات بالانتحار، بارتفاع يقارب 10% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. وتستدعي هذه الزيادة متابعة العوامل المرتبطة بها وتعزيز الاستجابة الوقائية، لكنها لا تكفي، بمفردها، لتحديد دوافع كل حالة.
وتشير معطيات نشرتها المؤسسة إلى أن أكثر من 55% من الحالات المسجّلة كانت لأشخاص دون 38 عامًا، ما يضع المعاناة لدى الفئات الأصغر سنًا في صلب النقاش.
في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، تؤكد الاختصاصية النفسية رولا الحاج، أن تفسير الانتحار بعامل اقتصادي واحد يغفل تعقيدات أساسية، مشيرة إلى تداخل الضغوط المعيشية مع الظروف الاجتماعية والعائلية والأمنية.
وتوضح، أن تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع التكاليف، ومحدودية فرص العمل، وعدم تناسب الأجور مع الاحتياجات الأساسية، تجعل تأمين الطعام والدواء ومتطلبات الحياة اليومية عبئًا ثقيلًا على كثيرين.
ولا يقف أثر هذه الظروف، بحسب الحاج، عند الحرمان المادي، بل يطال الشعور بالأمان والقدرة على التخطيط للمستقبل. فالعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية قد يزيد القلق، ويعمّق الإحساس بفقدان السيطرة على تفاصيل الحياة.
وتضع الحاج البطالة بين أبرز مصادر الضغط، لما قد تخلّفه من إحباط وشعور بالعجز، خصوصًا لدى من يكررون محاولات البحث عن عمل ويصطدمون بأبواب مغلقة. وخلال أزمة نفسية شديدة، قد يشعر بعض الأشخاص بأن الخيارات تضيق أمامهم؛ وهو شعور يستدعي الإصغاء والدعم والتدخّل، ولا يعني غياب المساعدة أو البدائل.
وتشير إلى، أن الحروب وعدم الاستقرار الأمني وتراكم الأزمات قد تزيد المعاناة، خصوصًا لدى أشخاص يواجهون أصلًا صعوبات نفسية أو تراجعت قدرتهم على التكيّف. لكنها تشدّد على أن الاستجابة تختلف بين شخص وآخر، وأن التعرّض للضغوط لا يقود بالضرورة إلى أفكار انتحارية.
وداخل العائلة، قد تتشكّل ضغوط أقل ظهورًا، لكنها مؤثرة في الحياة اليومية. وتتحدث الحاج عن، توقعات مرتفعة ومقارنات متكررة بين الأبناء أو بين شخص وآخر، في مقابل غياب التفهّم والمساندة من الأهل أو الشريك.
وتوضح، أن هذه العلاقات قد تولّد شعورًا بالذنب أو التقصير، خصوصًا عندما يُحمَّل الشخص مسؤوليات تفوق قدرته على الوفاء بها. وعندها، قد تصبح البيئة التي يُفترض أن توفر له الأمان مصدرًا إضافيًا للتوتر.
وتلفت الحاج إلى تغيّرات تستحق الانتباه، منها الانسحاب الاجتماعي، وصعوبة التواصل مع الآخرين، واضطرابات النوم، وضعف التركيز، والتغيّر الملحوظ في الشهية، سواء بزيادة الأكل أو تراجعه.
وقد ترافق هذه المظاهر الاكتئاب، لكنها لا تكفي منفردة لتشخيصه أو لتحديد وجود خطر انتحار. وتكمن أهمية ملاحظتها في أخذ معاناة الشخص بجدية، وفتح مساحة للحوار معه، وطلب تقييم متخصص عند الحاجة.
في قراءتها لواقع الشباب، تربط الحاج جانبًا من المعاناة بتراجع الثقة بالمؤسسات والدولة، وضعف الشعور بالانتماء والقدرة على التأثير.
فالإحساس بأن الصوت غير مسموع، وأن محاولات التغيير لم تحقق النتائج المنتظرة، قد يعمّق الإحباط والخوف من المستقبل. وحين تنضمّ هذه المشاعر إلى الضغوط الاقتصادية والعائلية والأمنية، يتراكم عبء يحتاج إلى استجابة تتجاوز مطالبة الفرد بمزيد من التحمّل.
أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى خدمات دعم نفسي متاحة، وعلاقات عائلية واجتماعية أكثر تفهّمًا، وإصغاء يأخذ الألم بجدية. فكسر الوصمة المحيطة بالمعاناة النفسية وتشجيع طلب المساعدة يفتحان بابًا للتدخّل المبكر وحماية الحياة.
خلف كل رقم إنسان، وخلف كل معاناة حاجة إلى من يسمعها. والتحدّي هو أن يصل الدعم في الوقت المناسب، وأن يجد من يطلبه مساحة آمنة للحديث، بعيدًا عن الأحكام واللوم.

