يطرح مشروع القانون المعجّل الرامي إلى تعديل القانون المنفذ بالمرسوم رقم 1540 تاريخ 25 تشرين الثاني 1978، المتعلق بإنشاء جهاز خاص للدفاع عن مطار بيروت الدولي وحفظ الأمن فيه، إشكالية قانونية وإدارية تتجاوز مسألة توسيع نطاق عمل جهاز أمن المطار ليشمل مطار رفيق الحريري الدولي وسائر المطارات التي تنشأ لاحقاً.
فالصياغة المقترحة، ولا سيما إدخال عبارة «بما في ذلك حرم المطارات» وتوسيع نطاق «الجهاز» إلى جميع المطارات، تفتح مباشرة مسألة الحدود الفاصلة بين صلاحيات جهاز أمن المطار من جهة، والصلاحيات القانونية الأصيلة لكل من الأمن العام والجمارك وقوى الأمن الداخلي وسائر الإدارات العاملة في المطارات من جهة أخرى.
من حيث المبدأ، لا يثير توسيع نطاق جهاز أمن المطار إلى مطارات مدنية أخرى إشكالية بحد ذاته، إذا كان المقصود توحيد المرجعية الأمنية والتنسيق بين الأجهزة العاملة داخل حرم المطار. إلا أن الإشكالية تبدأ حين يصبح مفهوم «حفظ الأمن» واسعاً إلى درجة تسمح باعتباره أساساً لممارسة وظائف أسندها القانون بصورة أصلية إلى أجهزة أخرى.
فجهاز أمن المطار لم ينشأ، في الأصل، كإدارة مستقلة تحل محل بقية الأجهزة، بل كإطار أمني جامع ينسق عمل القوى المسلحة والإدارات الأمنية الموجودة في المطار ويضمن وحدة القيادة في المسائل المرتبطة بأمن المنشأة والملاحة الجوية.
ومن هنا ينبغي التمييز بين وحدة القيادة الأمنية وبين وحدة الاختصاص القانوني. فوجود قيادة أمنية موحدة داخل المطار لا يعني انتقال جميع الصلاحيات القانونية والتنظيمية إليها.
الأمن العام: أمن الحدود وحركة الأشخاص
يمارس الأمن العام وظيفة تختلف عن وظيفة الحماية المادية للمطار، إذ يرتبط اختصاصه بمراقبة دخول الأشخاص إلى الأراضي اللبنانية وخروجهم منها، وضبط حركة المسافرين، ومراقبة أوضاع الأجانب والإقامات والسمات واتخاذ الإجراءات القانونية المتصلة بها.
وعليه، لا ينبغي أن يؤدي تعديل قانون جهاز أمن المطار إلى تفسير، يجعل قائد الجهاز صاحب سلطة أصلية في تقرير السماح لشخص بالدخول أو المغادرة، أو في تطبيق قوانين الإقامة والجوازات أو تنفيذ القرارات المتعلقة بها، لأن هذه الصلاحيات تبقى من اختصاص الأمن العام وفق القوانين والأنظمة المرعية الإجراء.
ويمكن لجهاز أمن المطار أن يؤمّن الحماية الأمنية لنقاط الأمن العام، وأن ينسق الإجراءات الاستثنائية عند وجود خطر أمني، من دون أن يحل محل الأمن العام في ممارسة اختصاصه القانوني.
الجمارك: رقابة البضائع ومكافحة التهريب
تبدو الإشكالية أكثر وضوحاً بالنسبة إلى الجمارك، التي تمارس صلاحيات قانونية مستقلة تتعلق بمراقبة البضائع الداخلة والخارجة، ومكافحة التهريب، وضبط المخالفات الجمركية، وتفتيش البضائع ووسائل النقل والأمتعة ضمن الحدود التي يحددها القانون.
لذلك فإن إدخال كامل «حرم المطارات» في نطاق جهاز أمن المطار يجب ألا يفسر بأنه ينقل إليه سلطة الرقابة على البضائع أو التفتيش الجمركي أو ضبط المخالفات الجمركية.
وهنا يجب التمييز بين التفتيش الأمني، الذي يستهدف حماية الطائرة والمطار ومنع إدخال الأسلحة أو المتفجرات أو المواد التي تهدد أمن الملاحة الجوية، وبين التفتيش الجمركي، الذي يهدف إلى تطبيق قانون الجمارك ومكافحة التهريب ومراقبة البضائع والمحظورات والرسوم.قد تتقاطع الوظيفتان عملياً، لكن الأساس القانوني لكل منهما يبقى مختلفاً.
قوى الأمن الداخلي والتحقيق في الجرائم
ينطبق الأمر نفسه على قوى الأمن الداخلي وسائر أجهزة الضابطة العدلية. فإذا وقعت جريمة داخل المطار، فإن وجود جهاز أمن المطار ووحدة القيادة الأمنية لا يؤدي إلى تجريد الضابطة العدلية المختصة من صلاحياتها القانونية.فثمة فرق بين ضبط الوضع الأمني في مكان الحادث، وبين التحقيق القضائي وجمع الأدلة وتنفيذ إشارات النيابة العامة المختصة.
ومن ثم ينبغي التمييز بين قيادة العملية الأمنية وبين ممارسة صلاحيات الضابطة العدلية والتحقيق القضائي.
الإشكالية في عبارة «حرم المطارات»
العبارة الأكثر حاجة إلى التحديد في المشروع هي عبارة «حرم المطارات»، لأنها توسع النطاق الجغرافي للجهاز من دون أن تحدد بصورة دقيقة طبيعة السلطة التي يمارسها ضمن هذا الحرم. فالمطار ليس مجرد منشأة أمنية، بل هو في الوقت نفسه نقطة حدودية، ومنطقة جمركية، ومرفق للطيران المدني، ومرفق عام، ومكان تمارس فيه أجهزة الضابطة العدلية اختصاصاتها، فضلاً عن وجود شركات الطيران والمؤسسات التجارية والعاملين والمتعهدين. لذلك فإن اعتبار جهاز أمن المطار مسؤولاً عن «حفظ الأمن في حرم المطار» ينبغي ألا يتحول إلى أساس لولاية عامة تطغى على الاختصاصات النوعية لبقية الأجهزة.
ضرورة حماية الاختصاصات في نص القانون
المشكلة في المشروع ليست في إنشاء أو تعزيز قيادة أمنية موحدة للمطارات، بل في توسيع نطاق عمل الجهاز من دون وضع حدود واضحة للعلاقة بين هذه القيادة وبين الصلاحيات القانونية المقررة للأجهزة الأخرى.
ولهذا، قد يكون من الأنسب إضافة نص صريح يحدد هذه المسألة، على غرار الآتي:
«تمارس قيادة الجهاز مهامها المتعلقة بحماية المطارات وحفظ أمنها وسلامة الملاحة الجوية وتنسيق عمل القوى الأمنية والعسكرية العاملة فيها، وذلك دون مساس بالصلاحيات التي أناطتها القوانين والأنظمة النافذة بكل من المديرية العامة للأمن العام وإدارة الجمارك وقوى الأمن الداخلي والجيش وسائر الإدارات العامة المختصة، ولا سيما الصلاحيات المتعلقة بمراقبة دخول الأشخاص وخروجهم، والرقابة الجمركية، والتحقيقات القضائية، وأمن وسلامة الطيران المدني».
مثل هذا النص لا ينتقص من دور جهاز أمن المطار، بل يكرس بصورة أوضح وظيفته الأساسية: قيادة وتنسيق الشأن الأمني المشترك مع بقاء الاختصاصات القانونية النوعية محفوظة لأصحابها.
مطار رينيه معوض – القليعات
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ضوء التوجه إلى تشغيل مطار رينيه معوض – القليعات للملاحة المدنية. فتوسيع نظام جهاز أمن المطار ليشمل القليعات يمكن أن يكون ضرورياً لتأمين وحدة الإجراءات والمعايير الأمنية، إلا أن إنشاء منظومة أمنية جديدة في هذا المطار ينبغي أن يشكل مناسبة لضبط العلاقة بين الأجهزة منذ البداية، بدلاً من نقل أي التباسات قائمة إلى مطار جديد.ومن المفيد أن تحدد النصوص بوضوح الجهة التي تتولى القيادة عند وقوع حادث أمني، والجهة المختصة بشؤون الحدود والمسافرين، والجهة المكلفة بالرقابة الجمركية، والجهة المختصة بالتحقيق القضائي، والجهة المسؤولة عن أمن وسلامة الطيران المدني.
الخلاصة
المشروع المقترح لا يلغي صراحة صلاحيات الأمن العام أو الجمارك أو قوى الأمن الداخلي أو سائر الأجهزة، ولا ينقلها صراحة إلى جهاز أمن المطار. لكن اتساع عباراته قد يفتح الباب أمام تفسيرات متعارضة بشأن نطاق صلاحية هذا الجهاز، خصوصاً بعد توسيع ولايته لتشمل باقي المطارات وحرمها. ولذلك، فإن المسألة الأساسية ليست في توسيع نطاق جهاز أمن المطار بحد ذاته، بل في تحديد طبيعة هذا التوسع. فالقاعدة التي يفترض أن تحكم القانون هي أن جهاز أمن المطار يتولى القيادة والتنسيق والحماية الأمنية للمطار والملاحة الجوية، من دون أن يتحول إلى إدارة بديلة عن الأمن العام أو الجمارك أو الضابطة العدلية أو سلطات الطيران المدني. وهكذا تتحقق وحدة القرار الأمني من دون المساس بمبدأ الاختصاص، وتتفادى الدولة إنشاء تنازع جديد في الصلاحيات داخل واحد من أكثر المرافق العامة حساسية.

